الثلاثاء، ١٤ ذو القعدة ١٤٤٥ هـ ، ٢١ مايو ٢٠٢٤

وداعا قيم الدعوة السلفية

السبت ١٢ شوال ١٤٤٥ هـ - ١٣:٤٢ م - ٢٠ أبريل ٢٠٢٤
911
الحمد لله على نعمه وآلائه، والصلاة والسلام على محمد خاتم أنبيائه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم لقائه.
‏أما بعد:
‏فإن من محاسن شريعتنا الغراء أنها رغم نهيها عن مدح الأخ لأخيه المسلم (في الجملة) - رغبت في مدح الميت المسلم، والثناء عليه، ونشر محاسنه وإذاعتها بعد موته، ولم تقتصر على هذا فحسب، بل رتبت عليه العاقبة الجليلة، والثمرة الخطيرة حين بشرت بأن ثناء جمع من المسلمين الصادقين في مدحهم - أقلهم اثنان - على الميت بخير يوجب له الجنة ، فقد قال رسول الله ﷺ:" من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، الملائكةُ شهداءُ اللهِ في السَّماءِ ، و أنتُم شهداءُ اللهِ في الأرضِ، أنتُم شهداءُ اللهِ في الأرضِ ،أنتم شهداء الله في الأرض ".
و قد ‏جزم الحافظ ابن حجر رحمه الله بأن هذه الشهادة لا تختص بالصحابة رضي الله عنهم، بل هي أيضا لمن بعدهم من المؤمنين.
و قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون إلا خيرا إلا قال الله جل وعلا: قد قبلت علمكم فيه، وغفرت له ما لا تعلمون».
وعن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة قلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثه"، قلنا: واثنان؟ قال: "واثنان" ، ثم لم نسأله عن الواحد .
و روي عن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم".
‏لقد فجع أهل السنة في مصر برحيل قيم الدعوة السلفية الشيخ المفضال المهندس أبي إدريس محمد عبد الفتاح رحمه الله تعالى عن دنيانا بعد رحلة طويلة حافلة بالبذل والعطاء والصبر والإنجاز .
‏وكنت تعرفت إليه رحمه الله منذ حوالي نصف قرن من الزمان عن طريق جار له وصديق حدثني عن ذلك الشاب المتأنق في ملبسه، الراقي في مسلكه الذي يرتاد المطاعم الفخمة، ويلتزم آداب المعاملة الراقية ( الإتيكيت ) ، وسرعان ما نشأت بيننا أخوة في الله صافية، فكنا نلتقي في معظم صلوات الجماعة في مسجد علام القريب من بيته، أو في صلاة الفجر بمسجد أبي راجح (التاريخي) مع ‏سائر الأحباب من :محرم بك الأوفياء الكرام، وكنا ! ثلة (محرم) إذا فرغنا من الصلاة نجوب الشوارع المحيطة ونحن نتناقش في مسائل علمية، بل ربما لخصت بعض الكتب في أثناء هذا التجوال .
‏وكان من أول ما قرأء كتاب مختصر منهاج القاصدين، الذي طبع أثرا عميقا في نفسه، حيث شرع يتمسك بالهدي الظاهر، ويواظب على صلاة الجماعة، ويكثر الذكر والنواقل، وما أكثر ما رأیته يتواری خلف منبر مسجد علام ويكثر من التنفل خفية كي لا يراه أحد لأنه لم يكن شخصية استعراضية بل هو الخمول والفرار من الشهرة والانهماك في عمل السر .
‏لقد نبت أبو إدريس رحمه الله في أسرة كريمة أحسنت تربيته وتهذيبه وكان أول ما يجذب انتباه من يقترب منه حسن خلقه، وطيب معشره وطول صمته وقلة كلامه، وعفة لسانه، بحيث لا يعرف الكلام المعيب أو اللغو الفارغ إلى لسانه سبيلا إنما هو الجدية والنظام والانضباط بكل ما تحمله هذه الأوصاف من معنى .
‏أشرب أبو إدريس في قلبه حب العلم الشرعي، وعشق كتبه، حتى كون مكتبة منزلية ضخمة ضمت أمَّات الكتب في كل العلوم الشرعية، لاسيما علم الحديث، واختار أن يكنى أبا إدريس بسبب حبه العميق وتعظيمه الكبير للإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله .
‏وكان بارعا في التربية الفردية حيث كان يصطفي بعض نوابغ الشباب، ويتبناهم علميا، ويرعاهم تربويا .
‏ورغم ملكته في حسن التصنيف - كما تشي بذلك آثاره - فإن موهبته الإدارية التنظيمية غلبت عليه، فكانت المجال الغالب على نشاطه فيما تلا من مراحل حياته، وكان من أهمها حين قاد العمل الإسلامي في كلية الهندسة فأداره بكفاءة واقتدار، ما أدى إلى ازدهار الدعوة وانتعاشها .
‏وكان من أهمها أيضا حين صار قيم المدرسة السلفية، ولذلك قصة إذ شاع بين الشباب في ذلك الوقت التوسع في إطلاق لفظ "أمير"، حتى كان في المسجد أمير الصلاة، وأمير الأذان، وأمير الطعام، وكان أيضا يشبع لقب "أمير الجماعة الإسلامية"، ولما نشأت المدرسة السلفية باعتبارها مؤسسة تعليمية تعلم العلوم الشرعية بمنهجية، آثرت أن اسمي القائم بإدارتها القيم، تجنبا للقب "أمير" ونحوه، واقتداء بلقب والد الإمام ابن القيم الذي كان قيما للمدرسة الجوزية .
‏وكان الأخ العزيز الدكتور أبو قير عادل العدوي أول قيم للمدرسة السلفية، ثم بعد فترة صار أبو إدريس رحمه الله القيم الثاني للمدرسة السلفية .
‏وخلال مراحل كثيرة تالية من تاريخ الدعوة ساهم بفعالية كبيرة في التأسيس الإداري والهيكلي للدعوة السلفية وقيادتها في العسر واليسر، الأمر الذي فصل الكلام فيه عدة إخوة في كتاباتهم وشرحوا مناقبه وإنجازاته التي استمرت إلى آخر حياته العامرة .
ألا ‏رحم الله الشيخ أبا إدريس وفسح له في قبره، ونور له فيه، وخلفه في أهله وعقبه وذريته، وجمعنا به في دار كرامته؛ فإنه أقرب من دُعي، و أجود من أعطى، وأكرم من سُئل .
ودعا أيها الحفيان ذاك ال **شخص ، إن الوداع أيسر زاد
وانحلاه بالدمع إن كان طهرا **وادفناه بين الحشا و الفؤاد
و إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرنا في مصيبتنا ، و اخلف لنا خيراً منها.

ربما يهمك أيضاً