٥ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨

تعظيم تكبيرة الإحرام


كما أن الإسلام وسط بين الأديان فإن أهل السنة وسط بين الفرق الإسلامية،
وكما أن الإسلام قاض وحاكمٌ ومهيمنٌ على سائر الأديان،
فكذلك منهج الصحابة والفرقة الناجية حاكمٌ على طوائف الإسلام.

الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على رسوله وعبده وعلى آله وصحبه من بعدِه
أما بعد..
فإن الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأفضل الأعمال بعدهما لكونها وُضِعت على أكمل وجوه العبادة وأحسنها ولجمعها متفرق العبودية، وتضمنها أقسامها.
وهي أول ما اشترطه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد التوحيد وهي رأس العبادة البدنية، وهي دين الأُمَّة ضرورة لم تخلو منها شريعة مُرْسَل، وهي فرض عين بالكتاب والسنة والإجماع فرضها الله ليلة المعراج على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في السماء بخلاف سائر الشرائع، فدل على حُرْمَتها وتأكُدِ وجوبها على كل مسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم:
"أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ ، ويقيموا الصلاةَ ، ويؤتوا الزكاةَ ، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقِّ الإسلامِ ، وحسابُهم على اللهِ"
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : البخاري | خلاصة حكم المحدث : [صحيح].

والصلاة مرآة عمل المسلم، وميزان تعظيم الدين في قلب المؤمن
فالصلاة ميزان الأعمال فيها يُتابع الإنسان زيادة إيمانه ونقصانه كما يُتابع المريض بمقياس الحرارة.

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أوَّلُ ما يحاسَبُ بِهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصلاةُ ، فإِنْ صلَحَتْ صلَح له سائرُ عملِهِ ، وإِنْ فسَدَتْ ، فَسَدَ سائرُ عملِهِ".
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني | خلاصة حكم المحدث : صحيح.

والناس يتفاضلون في الصلاة قبل أن يتفاضلوا في غيرها من فضل علم أو زكاة، وهي المقياس الصحيح وبها يُحْكم على دين الرجل ومكانته في الإسلام.
وليس امتياز هؤلاء الرجال الذين خَلَّد التاريخ ذكرهم وكان لهم فضل في الأقران والمعاصرين، ولسان صِدْق في الآخرين إلا لامتيازهم في هذه الصلاة، وتفوقهم فيها على معاصريهم وأضرابهم وبلوغهم فيها درجة الإحسان ووصولهم فيها إلى أسمى مكان.

وعلى الجانب الآخر فإن كل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به؛ لأن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، فإذا أردت أن تعرف قدر رغبتك في الإسلام ففتش عن رغبتك في الصلاة، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك، وإذا أردت أن تقيس إيمان عبد فانظر إلى مدى تعظيمه للصلاة.
قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أرادَ أنْ يعَلَمَ مَا لَهُ عندَ اللهِ ، فلْيَنظُرْ ما للهِ عندَهُ"
الراوي : أنس بن مالك و أبو هريرة و سمرة بن جندب | المحدث : الألباني | خلاصة حكم المحدث : حسن
وعن الحسن قال: "يا ابن ادم أي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك".

ومن أعظم علامات تعظيم المسلم المصلي للصلاة تعظيمه تكبيرة الإحرام في جماعة في بيت من بيوت الله.
يقول الله تبارك وتعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ * رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَـاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:36-37].

وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أحبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجدُها"
الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم |خلاصة حكم المحدث : صحيح.

وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "خيرُ البقاعِ المساجدُ".
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : محمد جار الله الصعدي |خلاصة حكم المحدث : صحيح.

وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "المسجدُ بيتُ كلِّ مؤمنٍ".
الراوي : سلمان الفارسي | المحدث : الألباني |خلاصة حكم المحدث : حسن.

وفي حديث السبعة الذين يُظِلهم الله في ظله يوم لا ظِل إلا ظله ذكر منهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلًا قلبه معلق في المساجد، وقال: "ورجل قلبه معلق في المساجد"
الراوي : أبو هريرة | المحدث : مسلم |خلاصة حكم المحدث : صحيح.
اختلف العلماء في المقصود من هذا الوصف وهو تعريف قلبه في المساجد
قيل أنه من التعليق يعني شَبَّه قلبه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان سجده خارجا عن المسجد.
فقلبه معلق في المساجد يعني أن قلبه يظل كالقنديل أو الثريا أو النجف المعلق في المساجد حتى لو غادر المسجد بجسده فإنه يترك قلبه معلقا من شدة حبه للمسجد وملازمته.
له يؤيد هذا التفسير بالتعليق رواية "ورجلٌ كأنما قلبُه معلَّقًا في المسجدِ"
قول آخر "ورجل قلبه معلق في المساجد" معلق هنا مأخوذة من العِلاقة وهي شدة الحب، العِلاقة شدة الحب والتعلق، ويؤيد هذا التفسير رواية "ورجل قلبه معلق بالمساجد من حبها".
فلذلك قال أصحاب هذا القول إن رجلا قلبه معلق في المساجد من العلاقة يعني شدة حبه لمساجد والدليل هذه الرواية التي ذكرناها "معلق بالمساجد من حبها".

وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حريصا على حضور الجماعة في المسجد في مرض وفاته، حينما اشتد به هذا المرض حتى أنه غُشِي عليه ثلاث مرات فكان إذا أفاق اغتسل ليتمكن من الذهاب إلى المسجد فإذا عجز أرسل الصِّدِيق رضي الله تعالى عنه يستخلفه ليصلي بالناس.
تقول أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنهما: "فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خِفَّة -أحس بشيء من التحسن في صحته- فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يُهَادى بين رجلين حتى كأني أنظر رجليه تَخُطَّان من الوجع" فقدماه الشريفتان كانتا تتركان أثرا في الطريق من كثرة ما كان يجرهما من شدة المرض.

علمنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسيلة عظيمة من وسائل تعظيم الصلاة وبالذات تعظيم تكبيرة الإحرام وهي التكبيرة الأولى في الصلاة.
في حديث مبارك عظيم النفع والفائدة، وكل من حاول أن يطبق هذا الحديث فإنه ينعكس على تدينه بالبركة، وعلى إيمانه بالزيادة، وعلى صلاته بفَرْط تعظيم الصلاة وإعطائها القدر الذي تستحقه في قلبه.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "مَن صلَّى للَّهِ أربعينَ يومًا في جماعةٍ يدرِكُ التَّكبيرةَ الأولَى كُتِبَ لَه براءتانِ : براءةٌ منَ النَّارِ ، وبراءةٌ منَ النِّفاقِ"
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني | خلاصة حكم المحدث : حسن.
"مَن صلَّى للَّهِ أربعينَ يومًا في جماعةٍ يدرِكُ التَّكبيرةَ الأولَى كُتِبَ لَه براءتانِ : براءةٌ منَ النَّارِ ، وبراءةٌ منَ النِّفاقِ"
قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "مَن صلَّى للَّهِ" طبعا واضح هنا أن المراد صلاة الفريضة الفرائض الخمس.
"مَن صلَّى للَّهِ" لله إشارة لاشتراط الإخلاص وإرادة وجه الله عز وجل بدون شائبة سمعة ولا رياء فإن الأعمال بالنيات.

"مَن صلَّى للَّهِ أربعينَ يومًا في جماعةٍ" طبعا كلمة أربعين يوما يعني بلياليها لأن من الصلاة ما يقع بالليل ومنها ما يقع في النهار
فقوله أربعين يوما يعني بلياليها بصلوات لياليها.
"في جماعة" وهي جماعة الإمام الراتب الجماعة الأولى.

"يدرِكُ التَّكبيرةَ الأولَى" هذه الجملة جملة حالية، والحال أنه يدرك التكبيرة الأولى وهي تكبيرة الإحرام مع الإمام الراتب مع الجماعة الأولى التي هي جماعة الإمام الراتب.
"يدرِكُ التَّكبيرةَ الأولَى" والظاهر أنه لا بد من توالي الأربعين يوما، أن تكون الأربعين يوما متصلة ليس في خلال السَّنَة يصلي مثلا أربعين يوما يدرك فيها تكبيرة الإحرام؛ لكن ظاهر الحديث أنه لا بد من توالي الأربعين يوما، الاتصال بين الصلوات الخمس بحيث أربعين يوم في خمس صلوات يصبح مائتين صلاة، يُدرك مائتين صلاة متتالية يُدرك فيها تكبيرة الإحرام.
يؤيد هذا المعنى رواية الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى- عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: "من واظب على الصلوات المكتوبة أربعين ليلة لا تفوته ركعة كَتَب الله له بها برائتين، براءة من النار وبراءة من النفاق"
فالشاهد هنا قوله: "من واظب على الصلوات المكتوبة أربعين ليلة لا تفوته ركعة" فهذا يدل على أنه لا بد من توالي الأربعين يوما.
كُتِب له براءتان؛ براءة من النار وبراءة من النفاق، هذه الجائزة عظمى براءة من النار وبراءة من النفاق، هذه هي ثمراتها في الآخرة؛ براءة من النار لأن من يُضَيِّع الصلاة يستحق دخول النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر:42-43]
في أول جرائهمهم ذكروا {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}
وبراءة من النفاق لأن من خصائص المنافقين أنهم {إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا} [النساء: 142]
أما هذا الذي حافظ على هؤلاء الصلوات فهو كان مخلصا بلا رياء "مَن صلَّى للَّهِ".

ثم إن الحرص على الصلاة وتعظيمها حتى يُدرك التكبيرة الأولى في خلال هذه المدة كلها في جماعة
حدَّد الأربعين لأنها مدة كافية لغرس تعظيم الصلاة في المسجد، وليس المقصود أنه مجرد أن يتم الأربعين يوما أن ينقطع، بالعكس هذا الحديث من واظب عليه فإنه من شدة تعظيمه للصلاة تكون الأربعين يوما هذه من وُفق إليها نقطة انطلاق بحيث أن اليوم الواحد والأربعون نقطة انطلاق إلى آخر العمر حِرْصا على تعظيم هذه الصلاة وعدم تفويت البركات التي تترتب على تطبيق هذا الحديث الشريف.

وهذا كان شأن السلف، المسألة أن الإنسان لا ينوي فقط أربعين يوما وتنتهي وبعد ذلك يعود إلى الكسل وإلى التفريط في تكبيرة الإحرام وعدم الإحساس بالمصيبة في فوات تكبيرة الإحرام، بالعكس إنما هذه مجرد شحن للطاقة بحيث تكون هذه منطلقا إلى أن يثبت على ذلك إلى آخر العمر، فالإنسان الموفق ينوي ليس أربعين يوما بل ينوي أربعين سنة، بل ينوي الثبات على ذلك إلى آخر العمر إلى أن يلقى الله تبارك وتعالى مُحافظًا على هذه الصلاة.
فإذا شَرَعْت في الأربعين يوما لا تنوي أربعين يوما وتتوقف ولكن انوي الثبات عليها إلى آخر العمر لأن الأعمال بالنيات؛ ولأن الخلود في النار أو الخلود في الجنة هو بالنيات فالكافر كَفَر بالله وعصى الله فترة وجيزة لكنه كان ينوي الثبات على الكفر ومحاربة الله ورسوله إلى الموت، وحتى ولو عاش إلى الأبد كان سيثبت على ذلك فجوزي بالخلود في نار جهنم، والمؤمن نوى أن يصبر على الطاعة وعلى التوحيد وعلى العبادة، حتى ولو عاش إلى الأبد فكوفىء بهذه النية بالخلود في الجنان.

إذن الإنسان ينوي أن يستقيم على ذلك إلى آخر العمر لأنه حتى إذا قصر عمره ولم يعش طويلا بعد هذا الحديث وواظب على هذا العمل إن هذا يكون من علامات حُسْن الخاتمة والتوفيق ويُرجى أن يثيبه الله على هذه النية الحسنة.

وهذا كان شأن السلف رحمهم الله تعالى
فهذا سعيد بن مسيب -رحمه الله- يقول: "ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة"
وقال أيضا: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين"
طبعا لا تعارض قال هذه الجملة بعد أربعين سنة، وقال الجملة الآخرة بعد عشر سنوات فأصبحت خمسين سنة.
في المرة الأولى قال: "ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة" وقال بعد ذلك: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة"
وهذا من حرصه على تكبيرة الإحرام يشجع على أن يتواجد مبكرا في المسجد وبالتالي يدرك مكانه في الصف الأول ولا ينظر في أقفية الرجال.
وقال رحمه الله تعالى: "من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة"
" من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة".

وكان أبو عبد الرحمن السُلمي -رحمه الله تعالى- يُحْمَل وهو مريض إلى المسجد في الطين والمطر
حينما يكون مريضا كان يُحمل.
عذر الله المريض في الجهاد وحتى في صلاة الجماعة لكن القلوب لم تُطِق مع أنه معذور ويسقط عنه الوجوب ولكن قلبه لا يُطِيق لشدة تعظيمه للصلاة وعنائه من الحرمان من التواجد في صلاة الجماعة. كان أبو عبد الرحمن السُلمي يُحمل وهو مريض إلى المسجد في الطين والمطر.

وقال إبراهيم التَّيْمي -رحمه الله-: "إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يديك منه".
"إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يديك منه".

وقال أبو حاتم الأصم: "فاتتني الصلاة في الجماعة فعزَّاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات ولد لعزَّاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا".

وكان أبو الليل الطُّرسوسي يُعَزَّى -رؤي وحوله الناس يعزوه- فقيل له: ما شأنه، قالوا: "فاتته صلاة الجماعة"
لأن هذه مصيبة في الدين ولذلك كان المجتمع ككل يُدْرِك هذه المصيبة بالتالي يأت الناس يتجمعون حوله كي يعزوه في هذه المصيبة.

فإذن هذا الحديث حديث عظيم البركة ويُمْكن أن يكون نقطة تحول في حياة من يَعْقِد العزم والنية على أن يطبقه، والله عز وجل يعطيك المعونة على قدر المؤونة، فحسبما تنوي يُمِدَّك الله بالعون والتوفيق. فمن بركات هذا الحديث الشريف أنك تُحَصِّل فضائل وبركات ثواب صلاة الجماعة.

ومن بركاته أيضا تنمية تعظيم الصلاة في القلب؛ بحيث يصبح هذا الإنسان من أصحاب هَمّ الآخرة من أول ما يستيقظ في صلاة الفجر "من أصبح والآخرة هَمُّه جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" إلى آخر الحديث.
فيصبح من أصحاب هم الآخرة كل همه أو جُل همه أن يحافظ على تكبيرة الإحرام ولا يُفَوِّتها.
فإذا واظب على هذا الحديث كما ذكرنا تُصبح المحافظة على تكبيرة الإحرام سَجِّية وتصبح عادة مألوفة، فكونها عادة وسَجِّية مألوفة يُسَهِّل عليه المواظبة عليها كي يُحَصِّل هاتين البراءتين؛ في الدنيا براءة من صفات المنافقين {الذين إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى}، وفي الآخرة بالنجاة من النار {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}.
من بركات هذا الحديث تبكير الحضور إلى المسجد لأنه كي يُدرك تكبيرة الإحرام ولا يُفَوِّتها فإنه يأتي مبكرا إلى المسجد.
ومن مظاهر التعظيم أيضا أنه مهما كان الشيء الذي سوف يعطله أو يشغله عن تكبيرة الإحرام فإنه يأخذ بالاحتياطات بحيث لا يُقَدِّم شيئا على الصلاة؛ لا استقبال ضيف ولا قضاء حاجات معينة ولا أي سبب يعطله ينظر إليه على أنه سوف يحرمه من هاتين البراءتين.

ومن البركات أيضا أنك إذا أتيت مبكرا إلى المسجد ستدرك الصف الأول وفضائله المعروفة، ستستطيع أن تُنْصِت إلى الأذان وتردد الأذان خلف المؤذن وتدعو بعده بالأذكار المعروفة أيضا وهذا فضل عظيم.

وكان الإمام ابن محمد خفيف الشيرازي -رحمه الله تعالى- كان إذا نودي للصلاة يُحْمَل على ظهر الرجل -من شدة ضعفه أو مرضه-
كان إذا نودي للصلاة يُحْمَل على ظهر رجل فقيل له لو خففت على نفسك، فقال الشيرازي: "إذا سمعتم حي على الصلاة ولم ترَوْني في الصف فاطلبوني في المقبرة"
يريد أن يقول أنه لا يوجد احتمال أنني لا أتواجد في الصف بعد قول المؤذن حي على الصلاة أي هلم أو أقبل إلى الصلاة فالاحتمال الوحيد لسبب تخلفه هو أنني مِتّ، لكن ما دمت حيًا فأنا محافظ على صلاة الجماعة.
يقول: "إذا سمعتم حيَّ على الصلاة ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة".

أيضا نيل فضيلة الصف الأول وتعرفون قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللَّهَ وملائِكَتَهُ يصلُّونَ على الصَّفِّ الأوَّلِ "
الراوي : النعمان بن بشير | المحدث : المنذري |خلاصة حكم المحدث : إسناده جيد
وفي رواية "على الصفوف الأولى".

من فضائل ذلك أيضا انتظار الصلاة لأنه إذا صلى سيدرك النافلة القبلية، أو على الأقل إذا فرغ من النافلة القبلية سيجد وقتا لجزء من ورده اليومي في القرآن الكريم يقرأه مجرد انتظاره الصلاة يبقى محبوسا في المسجد ينتظر إقامة الصلاة فهذا أيضا له ثواب عظيم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا زال أحدكم في صلاة ما دام في مُصَلَّاه ينتظر الصلاة، تقول الملائكة اللهم اغفر له اللهم ارحمه".

أيضا من بركات الحديث الصلاة في أول الوقت مع الإمام الراتب بسبب إدراكه تكبيرة الإحرام ونحو ذلك من هذه البركات.

الخلاصة أن هذا الحديث في الحقيقة من الأحاديث المباركة التي تنعكس على حياة الإنسان وعلى تدينه وتعظيمه للدين وتعظيمه للصلاة إذا وُفِّق للمواظبة عليها وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن صلَّى للَّهِ أربعينَ يومًا في جماعةٍ يدرِكُ التَّكبيرةَ الأولَى كُتِبَ لَه براءتانِ : براءةٌ منَ النَّارِ ، وبراءةٌ منَ النِّفاقِ".

من التنبيهات المهمة أن الإنسان إذا حصل انكسار أو انقطاع في هذا العدد فبعض الناس تُصَاب بالإحباط ويعود إلى الكسل وهجرة هذا العمل، الفرصة تكون مستمرة أنك ما دمت حَيًّا واظب على الصلاة
وابدأ العد من جديد، لكن إن كان استئناف العدد من جديد سوف يُحْبطك أو يعني يُثَبِّطك عن المواظبة عن هذا العمل الصالح إذن اتركها كما هي أربعين يوما، لو نقصت مرة أو مرتين أو ثلاثة تأخرت عن تكبيرة الإحرام استمر وعد الأربعين وتعلق بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا بلغ الماءُ قُلَّتَينِ لم يحْمِلِ الخَبَثَ"
الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : الألباني |خلاصة حكم المحدث : صحيح
فيَطْمع في كرم الله أنك واظبت ما استطعت ثم تخلفت في عدد يسير جدا لا يؤثر فمن حُسْن الظن بالله أن تؤمل أن يعف عن هذا الانقطاع وانو من جديد والأفضل أن تَعُدَّ من جديد لأنك أنت الكاسب والرابح في كل الأحوال
لأنك تجني ثمرة هذا الهمة في المحافظة على تكبيرة الإحرام في جماعة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك
أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

موقع الشيخ محمد إسماعيل المقدم