٥ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨

جريان الحسنات بعد الممات ، وما ينفع الأموات من سعي الأحياء 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اما بعد فإن من رحمة الله تبارك وتعالى الواسعة وفضله على خلقه أن جعل أجر الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال تعالى{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } وجعل اُم السيئة واحد كما في قوله { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا } ومن فضله الواسع تبارك وتعالى أنه إذا مات الإنسان وأفضى إلى ما قدم، جعل الله عز وجل له بابين لاستمرار الأجر والثواب. الباب الأول في  حياته: وذلك بأن يعمل الانسان من الاعمال ما يستمر أجره بعد موته كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم  " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " وهذه رواه مسلم ، كذلك أيضاً  أجر مثلاً أو من هذا الباب الأجر الذي يناله الإنسان من هدايته غيره ، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ) وهذا أيضاً رواه مسلم.

فكلما عمل هذا المهتدي الذي دعاه إلى الهداية له مثل أجر المهتدي وأيضاً من اهتدى به إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجر المهتدين شيء .

أما الباب الثاني فبعد ممات الانسان، فقول النبي صلى الله على وآله وسلم ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ)) فكما يصلح الاستدلال به في الحياة لأن هذه الأشياء إذا فعلها في حياته فهو يؤجر بها في حياته اللي هي صدقة جارية أو علم ينتفع به إلى آخره، كذلك هو يؤجر عليها أيضاً بعد مماته، وهذا هو المقصود الأصلي من الحديث، ويشبه ذلك أيضاً الدعاء بأنواعه، الصدقة بأنواعها، والعلم بأنواعه.

وقفت على هذه الرسالة المباركة للأخ فهد عبد الرحمن الشويب ((جريان الحسنات بعد الممات))، وفيها حقيقة جمع كثيراً من الاعمال الصالحة التي يمكن أن ينتفع بها الانسان بعد موته.

بدأ بالإشارة إلى انتفاع الميت بعمل الحي ثابت في الكتاب والسنة الصحيحة والاجماع.

من الكتاب قول الله تبارك وتعالى على لسان نوح عليه السلام {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً} [نوح : 28]

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: (( دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وهذا الدعاء يعم الأحياء والاموات ولهذا يستحب مثل الدعاء))، كثير من الناس تنشغل بالدعاء الخاص له أو لقرابته أو لمن يحبه من الناس ولا يأبه للدعاء العام الذي فيه الدعاء للأمة بصلاح أحوالها أو الدعاء المسلمين والمسلمات مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ((مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً)). فهذا من الغفلة عن هذا الباب العظيم من أبواب الخير، وهو له أثر وبركة عظيمة جداً في المسلمين الاهتمام بالدعاء العام وليس فقط بالأمور التي تخصه فعلينا أن نقتدي بنوح عليه السلام في ذلك { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} عامة في الدعاء فلو كان الدعاء غير نافع للميت لما دع نوح عليه السلام هذا الدعاء، ومن ذلك أيضاً دعوة ابراهيم عليه السلام {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم : 41]

طبعاً دعا هنا لوالديه قبل أن يتبرأ من أبيه لما علم أنه عدو لله {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة : 114] هنا توقف ابراهيم عليه السلام الدعاء أما الدعاء لسائر الأجداد والجدات فظلت دعوته باقية وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ((إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ : أَنَّى هَذَا، فَيُقَالُ : بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ)) يعني بعد موته حيما يستغفر الولد لأبيه، وقال صاحب عون المعبود وورد في أحاديث أخرى زيادة على الثلاثة يعني على الثلاثة أشياء المذكورة في حديث ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ)) تتبع الحافظ السيوطي ما زاد على الثلاثة فبلغت أحدى عشر ونظمها في قوله

إذا مات ابن آدم ليس  تجري                     عليه من فعال غير عشر

علوم بثها ودعاء نجل                      و غرس النخل والصدقات تجري

وراثة مصحف ورباط ثغر                         وحفر البئر أو إجراء نهر

وبيت للغريب بناه يأوي                             إليه أو بناه محل ذكر

وتعليم لقرآن كريم                               فخذها من أحاديث بحصر

سبقه إلى ذلك ابن العماد فعدها ثلاثة عشر وسرد أحاديثها، لكن في الحقيقة عامة هذه الخصال ترجع إلى الثلاث المذكورة في هذا الحديث، وقد قسم العلماء الاعمال التي ينتفع بها الميت إلى قسمين:

عبادات بدينة وعبادات مالية

أما العبادات البدينة كالصلاة والصيام والحج والدعاء إلخ. هذه العبادات وضع العلماء لها قاعدة جليلة وهي أن ثواب الأعمال يصل إلى الميت إذا ثبت دليل وصول ثواب ذلك له، يعني هذا يتوقف على وجود دليل على أن ثواب هذا العمل يعني يصل إلى الميت، يعني مثلا الصيام ثبت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسائلة صومي عنها وفي الحج قال: حجي عن أبيك واعتمري، كذلك العبادات المالية كعموم الصدقة وقضاء الدين والأضحية إلخ، فهذه ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فيما يتعلق بأعمال الأحياء البدنية التي ينتفع بها الميت يعني هناك أعمال يفعلها الحي ينتفع بها الميت: فأول ذلك تجهيز الميت، فهذه الأفعال يفعلها الانسان لأجل الذي مات فور موته سواء الغسل أو التكفين، فبعض الناس كان قد استدل بقوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم : 39] واضح!، فبنوا على ذلك بأن الميت لا ينتفع بعمل الحي، كذلك استدلوا بحديث (إِذَا مَاتَ الانْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ) فاستدلوا بذلك على أن تكفين الذي مات في الحج بثوبي احرامه وتبقيته على هيئة احرامه إنما هو من عمل الحي بعده ، كغسله والصلاة عليه فلا معنى لما ذكروه كذلك في الحديث في الشهداء ((زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ)) هذه من عمل الحي الذي ينتفع به الميت، ولذلك قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية وهو يرد على من زعم أن الميت لا ينتفع بعمل الحي قال((أما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا مات ابن آدم انقطع عمله ، فاستدلال ساقط فإنه لم يقل انقطع انتفاعه، وإنما قال انقطع عمله يعني عمله بنفسه ولا يدل هذا على انقطاع انتفاعه بعمل الحي له يقول فإنه لم يقل انقطع انتفاعه وإنما أخبر بانقطاع عمله فأما عمل غيره فإنه لعامله فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو وهذا كالدين يوفيه الانسان عن غيره فتبرأ ذمته لكن ليس له ما وفّى به الدائن . انتهى كلامه

شرح بعضهم هذه العبارة وهو يرد على من يقول إن الميت لا ينتفع بسعي غيره فقال احجتوا بآية النجم وهي قوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} على أن الميت لا ينتفع بسعي الأحياء، فاللام هنا لام الملك أو التمليك، ومقتضى هذا أن الانسان إنما يملك سعيه، والحقيقةَ أن الملك شيء والانتفاع شيء آخر، فهذا الانتفاع ينتفع به الغير وإن كنت مالكاً لهن فلو أن شخصاً عليه دين الف جنيه وقضيت أنت الدين عنه فإنه تبرأ ذمته فهو انتفع بعملك أنت، فمن يملك المال؟ الشخص الذي دفع –هو مالكه- لكن الانتفاع لمن؟ لغيره.  فالذي انتفع به هو المدين فعلى هذا يكون معنى الآية نفي ملك سعي الغير{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} فهو لا يملك ما عند الغير ولكنه ينتفع بما عند الغير.

من ذلك أيضاً الصلاة على الميت، فعن الرُبيع بنت مُعوِّذٍ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلو على جنازة وأثنوا خيراً يقول الرب عز وجل: أجزت شهادتهم فيما يعلمون، وأغفر له ما لا يعلمون))

أجزت شهادتهم فيما يعلمون: يعني في الأمور الخيرة، وأغفر له ما لا يعلمون: من دون ذلك

وقالت أم المؤمنين ميمونة أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم  قال ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ)) لأن صلاة الجنازة هي أساساً شفاعة ((جئناك شفعاء فشعفنا فيه)) كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الجنازة في الصلاة على الميت (( جئناك شفعاء فشعنا فيه)) فلا شك أن هذه مما ينفع الميت بعد موته، تقول أم المؤمنين  أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم  قال ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ)) فسألت أبا المليح عن الامة قال: أربعون. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجنازة ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ)). يقول عوف بن مالك حتى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ.  يعني من كثرة الخير الوفير الذي دعا له النبي صلى الله على وآله وسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على جنازة قال ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإسلام، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفَّهُ عَلَى الإيمان)) وأيضاً ثبت في الدعاء ((اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ ، فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )) وعن يزيد بن ركانة قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ لِلْجِنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا قَالَ : (( اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَابْنُ أُمَّتِكَ احْتَاجَ إِلَى رَحْمَتِكَ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزَ عَنْهُ )) إذاً هذه مما ينتفع به الميت وهو من سعي الحي ، يعني الصلاة عليه والدعاء له في هذه الصلاة، من ذلك أيضاً الصوم لحديث بريدة رضي الله عنه بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ : إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ (أي ماتت أمها)، قَالَ : فَقَالَ : " وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ (وجب أجرك: أجر الصدقة حينما تصدقت على امها بهذه الجارية، فلما ماتت أمها عادت الجارية إليها بسبب آخر وهو سبب الميراث))"، قَالَتْ " يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟، قَالَ : " صُومِي عَنْهَا)) وهذا رواه مسلم وأيضاً في الحديث إن أمي صامت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها –الظاهر أنه كان نذراً- قال لو كان على أمك دين أكنت قاضيه قال: نعم قال فدين الله أحق أن يقضى. وفي حديث آخر صومي مكانها (أي مكان أمك) يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى قد ثبت جواز القضاء عن الميت: الصيام والحج. برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس في رواية أكثرهم (( أنّ امرأة سألت)) فيشبه أن يكون غير قصة أم سعد ففي رواية بعضم صومي عن أمك. وأيضاً الولي (ولي الميت) مخير بعد موته أن يصوم عن الميت أو يطعم الطعام أما الصيام فتقدمت والأحاديث الدالة على ذلك أما الإطعام ففي الحديث منْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ أُطْعِمَ عَنْهُ)) وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)). يقول الإمام الزرمدي اختلف أهل العلم في هذا الباب فقالوا يصام عن الميت وبه يقول أحمد واسحاق قال ((إذا كان على الميت نذر صيام يصوم عنه وإذا كان عليه قضاء رمضان أطعم عنه)) وبهذا المعنى قال ابن عباس(( في صيام شهر رمضان أطعم عنه وفي النذر قضى عنه )) لأن الحديث الذي ذكرناه ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)) يعني بعض العلماء ضعفوه ومن ثم حصل هذا الاختلاف. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى (( لوثبت حديث أطعم عنه أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين فإن من يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام  فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام وتجويز الإطعام والولي مخير بينهما)). وعن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال ((إذا مَاتَ الرَجلُ وَعَلَيْهِ صِيامُ رمضانَ آخر، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ)) أما الحج فحديث بريدة وفيها ((قَالَتْ : إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟، قَالَ : " حُجِّي عَنْهَا))  فهذا عمل بدني أيضاً يجوز فيه النيابة بشرط أن تكون حجت عن نفسها. كذلك حديث المرأة الخثعمية حينما سألت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ، قَالَ : " نَعَمْ حُجّي عن أبيكِ" فهنا أيضاً الدعاء للميت هنا غير الدعاء في صلاة الجنازة لكن الدعاء كما في الحديث ((نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  النَّجَاشِيَ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ)) وكان صلى الله عليه وسلم (( إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ، وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ)) ، (( ولَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ (قال النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر في سرية مؤته) أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْحَيَاةَ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، وَمَنَّاهُ الدُّنْيَا ، فَقَالَ : الآنَ حِينَ اسْتَحْكَمَ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ تُمَنِّينِي الدُّنْيَا، ثُمَّ مَضَى قُدُمًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعَا لَهُ، وَقَالَ : " اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ، فَإِنَّهُ شَهِيدٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ مِنْ يَاقُوتٍ حَيْثُ يَشَاءُ مِنَ الْجَنَّةِ "، قَالَ : " ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مُعْتَرِضًا "، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الأَنْصَارِ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا اعْتِرَاضُهُ؟ قَالَ : " لَمَّا أَصَابَتْهُ الْجِرَاحُ نَكَلَ، فَعَاتَبَ نَفْسَهُ فَتَشَجَّعَ فَاسْتُشْهِدَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ "، فَسُرِّيَ عَنْ قَوْمِهِ)) أي أنه تردد قليلاً لكنه شجع نفسه ثم أقبل على الجهاد حتى استشهد رضي الله عنه الشهد هنا قوله (( استغفروا لأخيكم)).

أما أنواع الدعاء النافع فهمه على الإطلاق وأهمه دعاء الولد لوالديه بعد موتهما، فهذه فرصة للاستمرار في بر الوالدين حتى بعد موتهما ولا شك أن هذه من الاعمال التي يصل ثوابها للميت، يقول الله تعالى {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء : 24] وكذلك دعاء الأنبياء، لاحظنا هذا في {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} في دعاء نوح عليه السلام وكذلك دعاء ابراهيم عليه السلام لأبيه {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } يعني قبل نهيه عن ذلك، ومن الجفاء أن بعض الناس يأتي ذكر أبيه وأمه وهو يتكلم فيمر مرور الكرام، أي يبخل بأن يقول رحمهما الله أو رحمها الله، فهذا من الجفاء ويتنافى مع بر الوالدين بعد موتهما، من ذلك أيضاً دعاء الأقارب ودليله دعاء يعقوب عليه السلام لبنيه قال {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [يوسف : 98] وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا))، ودعا لابنته فاطمة وعلي رضي الله عنهما ودعا لآل جعفر خاصة ،وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَخْبَرَتْنِي  أَسْمَاءُ ابْنَةُ عُمَيْسٍ أَنَّهَا " رَمَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَزَلْ يَدْعُو لَهُمَا خَاصَّةً  يَعْنِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا  لا يُشْرِكُهُمَا بِدُعَائِهِ أَحَدًا حتى توارى في حجرته)) ومن ذلك أيضاً دعاء الصالحين ودليله أن النبي صلى عليه وسلم دعا لأنس ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ ، وَبَارِكْ لَهُ))، وفي حديث أويس لما لقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لأويس: استغفر لي، فقال لعمر: أنت أحق أنت تستغفر لي إنك من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم بقول خير التابعين رجل من قرن، يقال له أويس. من ذلك أيضاً دعاء المؤمنين عامة. فهذا ينتفع به الميت ، وقد علمنا الله سبحانه وتعالى هذا الدعاء ((وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)) وقال صلى الله عليه وآله وسلم ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ مُسْتَجَابَةٌ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)) وقال صلى الله عليه وسلم ((مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً))، من أسباب انتفاع الميت بعمل الحي أو بسعي الحي أن يشهد للميت بعد وفاته بخير فعَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ رضي الله عنه ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ : وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ : فَقُلْتُ : وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ : قُلْتُ كَمَا، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا : وَثَلَاثَةٌ، قَالَ : وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا : وَاثْنَانِ، قَالَ : وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ)) وهذا رواه البخاري.

  ومن ذلك أيضاً الوفاء بالنذر فإنه يستحب لولي للميت أن يقوم بأداء نذر الميت ويبرأ به الميت، فهناك نذر بدلي وهناك نذر مالي، فالنذر البدلي الوفاء بنذر الميت بالصيام،  فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما (( أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أُخْتَهَا نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا ، وَأَنَّهَا رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَمَاتَتْ وَلَمْ تَصُمْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : صُوْمِي عَنْ أُخْتِكِ)). من ذلك أيضاً الوفاء بنذر الميت بالحج بحديث (( أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ : " إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ : نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً، اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ ")). من أعمال الأحياء المالية التي ينتفع بها الميت الصدقة من حديث ((نّ رجُلا قال لِلنّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : إِنّ " أُمِّي افْتُلِتتْ نفْسُها (يعني ماتت فجأة) ، وأُراها لوْ تكلّمتْ تصدّقتْ (يعني لوكان في فرصة تتكلم قبل موتها لأوصت بالصدقة)، أفأتصدّقُ عنْها؟، فقال رسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : نعمْ " تصدّق عنْها))، فهذا يدل على أن الصدقة على الميت تنفعه فالميت ينتفع بما يهدى إليه من الصدقات ففي الحديث (( أو صدقة جارية )) وفي حديث سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا، قَالَ : " نَعَمْ "، قُلْتُ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟، قَالَ : " سَقْيُ الْمَاءِ))

فدلت هذه الآثار على أن تأويل قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى))) لا يتعارض مع الأحاديث أو النصوص التي تثبت سعيه، الفرق بين الإنسان الذي يملك المال مثلاً والذي ينتفع بهذا المال قال العلماء في حديث  ((انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ))  ومعنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد ثواب هذه الأعمال له إلا في هذه الأشياء الثلاثة ومنها الصدقة الجارية وهي الوقف، قال النووي وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، من ذلك أيضاً من أبواب الخير التي تنفع الميت، صدقة سقي الماء، عن سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، قَالَ : قُلْتُ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا، قَالَ : " نَعَمْ "، قُلْتُ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟، قَالَ : " سَقْيُ الْمَاءِ فحفر بئراً وقال هذه لأم سعد)) يعني موقوف ثوابها على أم سعد، وحفر عثمان بن عفان رضي الله عنه بئر رومة وأوقفه في سبيل الله، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ((من حفر بئر رومة فله الجنة)) ففعل ذلك أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وعَنْ بَشِيرٍ الأَسْلَمِيِّ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ اسْتَنْكَرُوا الْمَاءَ (يني طعم الماء كان غير مناسب لهم وملائم) ، وَكَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا : رُومَةٌ، وَكَانَ يَبِيعُ الْقِرْبَةَ بِمُدٍّ، فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم : " تبيِعْنِيها بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ "، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي، وَلا لِعِيَالِي غَيْرُهَا، لا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَجْعَلُ لِي مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَهُ لَهُ عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ إِنِ اشْتَرَيْتُهَا؟ قَالَ : " نَعَمْ "، قَالَ : قَدِ اشْتَرَيْتُهَا، وَجَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ)). وقفا على أهل الإسلام

وفي بعض الروايات (( قال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك))، لا شك أنه يدخل أيضاً في سقي الماء، إجراء الأنهار أي حفر الانهار لأن هذا يدخل أيضاً في ((أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟، قَالَ : " سَقْيُ الْمَاءِ))، من ذلك أيضاً صدقة إطعام الطعام ، وهو يقاس على الماء وأيضاً هو داخل في عموم قوله أو صدقة جارية، والأحاديث في الترغيب  في فضل إطعام الطعام كثيرة منها حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما ، أَنَّ رَجُلًا سَأَل النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : إطْعامُ الطَّعَامَ)) فجعلها من هذه الخصال، لأن في الإطعام إحياء للنفوس خاصة في الظروف التي تحدث فيها مجاعات كثيرة. كذلك يدخل في ذلك إفطار أو تفطير الصائمين وهذه عبادة منتشرة في هذا الوقت ولله الحمد بين المسلمين، ومنها إعتاق الرقبة فقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها : أنها أعتقت عبداً عن أخيها عبد الرحمن، وأنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ 0قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : نَعَمْ))

من أبواب الصدقات الجارية قضاء الدين عن الميت، فكلما عجل الانسان بقضاء الدين عن الميت كلما انتفع بذلك الميت لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لَا تَزَالُ نَفْسُ ابْنِ آدَمَ مُعَلَّقَةً بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)) يعني يكون مستحقاً للنعيم أو الجنة فيحبس ولا ينال  هذا النعيم إلا أن تبرأ ذمته من الدين كما هو معلوم حتى في حق الشهيد  (( يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين)) لأنه يتعلق بحقوق الغير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن الأطول ((إِنَّ أَخَاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ ، فَاقْضِ عَنْهُ))، وفي الحديث أيضاً ((أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بك إِلا خَيْرا، إِنَّ فُلانًا مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ، فأَدَّى عَنْهُ، حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ)) وفي بعض الأحاديث (( فدين الله أحق بالقضاء))، يقول الإمام النووي :وفيها قضاء الدين عن الميت وقد أجمعت الامة عليه، ولا فرق في أن يقضيه عن وارث أو غيره فيبرأ به بنافلة. فضاء الدين ليس شرطاً أن يكون الولي أو من يرثه او قريب حتى له، أي انسان يقضي عنه الدين أو ينقله إلى ذمته فغن ذلك يبرأ به الميت، ومن ذلك أيضاً وقف الأرض لتبنى عليها مثلاً دار للأيتام أو مدرسة أو مستشفى وغيرها من المنافع. فقد لأوقف أمير المؤمنين عمر خيلاً في سبيل اللهن وأوقف أنس بن مالك رضي الله عنه داراً فكان إذا قدمها نزلها وأوقف الزبير بن العوام رضي الله عنه دوراً فعن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، " أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ جَعَلَ دُورَهُ صَدَقَةً عَلَى بَنِيهِ ، لا تُبَاعُ وَلا تُورَثُ، وَأَنَّ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ)) المردودة أي المطلقة، فهنا وقف على أولاده. وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله وفيه أنه تصدق بداره محبوسة لا تباع ولا تهدى، لذلك أحياناً الوقف نعبر عنه بالحبس، إذاً هذه الآثار تدل على مشروعية وقف الأرض للمسجد وللسكنى ولغيره ولابأس أن يستثني الانسان لنفسه أو لذريته جزءاً من هذه الأرض. فإذاً يجوز وقف الأراضين، وأشار الإمام الشافعي إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام ، وهي وقف الأراضي والعقار ثم قال الإمام الشافعي رحمه الله (( لم يزل العدد الكثير من الصحابة فمن بعدهم يلوون أوقافهم ، نقل ذلك الألوف عن الألوف لا يختلفون فيه)) وقال جابر رضي الله عنه (( لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف))، ويجوز وقف الأرض والجزء المشاع، ويجوز أيضاً وقف البساتين والمزارع فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ((( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)) )، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا ، وَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَيْرُحَاءَ لِلَّهِ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ "، فَقَسَمَهَا بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ)) وهذا الحديث رواه مسلم. وعن ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ : " نَعَمْ " قَالَ : فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي الْمَخْرَفَ صَدَقَةٌ عَنْهَا)). ويدخل في هذا أيضاً وقف الخيل والذهب والأموال والفضة،  فعن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ : فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ)) . وعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ ، قَالَ : أَوْصَى إِلَيَّ أَخِي بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ أَخِي أَوْصَى إِلَيَّ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ فَأَيْنَ تَرَى لِي وَضْعَهُ فِي الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ أَوِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَمْ أَعْدِلْ بِالْمُجَاهِدِينَ)) يعني هم أولى الناس أن يوجه لهم هذا المال، من ذلك أيضاً الأضحية ففي قول أنها واجبة على الموسر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى من وصى من ماله قبل موته اتفاقا، لو واحد أوصى أن تذبح عنه الإضحية قبل موته فهذا يجب أيضاً أن يوفى به، واختلفوا هل تصح الأضحية للميت الذي لم يوصي قبل موته، والصحيح أنها تصح عن الميت يمكن للإنسان أن يضحي عن من ماتوا ، فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما ، قَالَ : (( صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِيدَ الْأَضْحَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتَي بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ ، فَقَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي))  وفي الحديث الكبشين (( قال في أحدهما  اللهم هذا عن أمتي جميعاً وفي الآخر قال اللهم هذا عن محمد وآل محمد)). ومعلوم أن القربة في الأضحية تقكون في إراقة الدم وقد جعلها في غيره  والغير تشمل الأموات وتشمل أيضاً الأحياء، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم عن أمتي جميعاً وأمته صلى الله عليه وسلم منهم الحي ومن الميت والله تعالى أعلم. فالأضحية عن الميت تجوز بأحد الشرطين الآتيين:

أولاً أن يوصي من ماله الخاص، ثانياً أن يشركه الحي بنيته، يعني أول شيء يكون الميت قد أوصى من ماله الخص بأن تذبح الأضحية، ثانياً أن الحي يشركه بنيته، لقوله صلى الله عليه وسلم ((اللَّهُمَّ عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي))، من ذلك أيضاً وقف المال لإعانة غير القارين على الزواج وهذا داخل في قوله (( و صدقة جارية)) وفي الزواج إعفاف للشباب ورجاء للولد الصالح وتكثير للمسلمين. قال الإمام النووي: ((وفيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه))، أيضاً منها الصدقة لعمارة المساجد فهذه من الممكن للإنسان إذا أراد أن يهدي ثواباً للميت أن يبذل المال في عمارة المسجد وينوي أن يصل الثواب في هذه العمارة أو النفقة في العمارة للميت، فعن عثمان بن عفان قال إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مثله بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)) وقال صلى الله عليه وسلم ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ))، وفي حديث عثمان ضي الله تعالى عنه  لما الْمَسْجِد ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلانٍ ، فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ، بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ يقول عثمان: فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي)) وهذه من مناقب أمير المؤمنين ذي النورين أمير البررة وقتيل الفجرة رضي الله تعالى عنه، وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه (( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل )) وهذا يؤخذ بأنهم تصدقوا بالأرض ولم يطلبوا لذلك ثمناً فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فهذا يدل على صحة وقف المساكن، من أبواب الخير أيضاً، الصدقة بطباعة المصحف الشريف والكتب النافعة يقول صلى الله عليه وآله وسلم ((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ، وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)) أيضاً قضاء عموم النذر يصل ثوابه للميت كما في الحديث ((إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ ولم تقضه، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: " اقْضِهِ عَنْهَا))، من ذلك أيضاً الوقف على خدمة كبار السن والمعاقين فعن بريدة رضي الله عنه أن امرأة قالت ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ : " وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ)) يقول النووي رحمه الله (( إن من تصدق بشيء ثم ورثه ، لم يكره له أخذه والتصرف فيه))، والأفضل أن يبقيه صدقة بعد موت من تصدق عليه هذا يكون أفضل فهو جائز له أن يسترده عن طريق الميراث ، ولكن الأفضل أن يوقفه لكي يصل ثوابه إلى هذا الميت، فإذا من أبواب البر توقيف أو وقف ما يكون فيه خدمة لكبار السن أو المعوقين، الوقف الخير من افضل الاعمال التي يقدمها العامل في حياته. ودل على مشروعيته قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ((احْبِسِ الأَصْلَ وَسَبِّلِ الثَّمَرَ)) أي اجعله وقفاً حبيساً، احبس الأصل أي الأرض نفسها تكون وقفاً اما الثمرة فتكاد تزرع وهي التي توزع على الفقراء.

 أما بعض الملاحظات: أنه يجوز الوصية بالثلث طبعاً يجوز بأقل يجوز بالربع أو الخمس أو السدس ويجوز بأقل من ذلك. لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ((جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقُلْتُ : بَلَغَ بِي مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟، قَالَ : لَا، قُلْتُ : بِالشَّطْرِ؟، قَالَ: لَا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟، قَالَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ)) وهذا رواه البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم ((إنّ اللّه أعْطاكُمْ عِنْد وفاتِكُمْ ثُلُث أمْوالِكُمْ زِيادة فِي أعْمالِكُمْ)) فيمكن للإنسان أن يوصي بثلث من ماله لبعض لأقربائه الذين لا يرثون أو لجهة من جهات الخير وفي الحديث أيضاً ((إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ))، أما من لا وارث له فيستحب له أن يتبرع بأكثر من الثلث، فعن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمذاني قال: قال لي عبد الله بن مسعود إنكم من أحرى حي في الكوفة أن يموت أحدكم ولا يدع عصبة ولا رحماً، فما يمنع إذا كان ذلك أن يضع ماله في الفقراء والمساكين)) فإذا كان الانسان لا وارق له فيستحب أن يتبرع بأكثر من الثلث للفقراء والمساكين، حذر الشارع الحكيم من رجوع الإنسان من هبته أو وقفه أو صدقته أو عطيته لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((  حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ (يعني أهمله)، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  فَقَالَ : لَا تَشْتَرِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)). فعمر رضي الله عنه تصدق بهذا الفرس والرجل الذي أخذ  أهمله ولم يراه فطلب أن ينقذ الفرس منه فطلب من أن يشتريه، وتوقع أنه يبيعه له بسعر رخيص فسأل في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ((لَا تَشْتَرِهِ ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)). كما ذكرنا بعض الأعمال التي تصل إلى الميت فذكر المصنف هنا -جزاه الله خيراً- بعض الأعمال التي يفعلها الناس لكنها لا تنفع الناس في شيء من ذلك؛ قراءة الفاتحة على روح الميت ،فكما يقولون الفاتحة على روح فلان، فهذا من البدع بالذات على القول بأن القراءة لا تصل إلى الموتى ، ومن ذلك عمل ولائم للمعزين، يعملون ولائم للذين يحضرون العزاء ظناً منهم أنه ينفع الميت، والصحيح أن الجيران والأقارب هم الذين يصنعون الطعام لأهل الميت وليش العكس. فلما مات جفعر بن أبي طالب رضي الله امره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطبخ لآل جعفر فقال صلى الله عليه وسلم ((إِنَّ آلَ جَعْفَرٍ قَدْ شُغِلُوا بِشَأْنِ مَيِّتِهِمْ، فَاصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا))، من ذلك أيضاً، قراءة القرآن عند القبور ومنه أيضاً استئجار شيخ يقرأ القرآن عند القبر أو وضع مسجلاً لقراءة القرآن ويدفعون أمولاً عليها إلخ. وهذه أيضاً من البدع، واللي بيحصل من ربط شرطي بين قراءة القرآن والموتى حتى أن الطفل يمر في الشارع بيسمع قرآن يقول: في حد مات هنا. نفس الربط بين القرآن الكريم والموت او الموتى، ومن غريب ما سمعت أن أحد الناس دخل على صديق له فسمع القرآن الكريم فقال له: أسكت القرآن فإنه يذكرني بوفاة والدتي –والعياذ بالله- فهذا هجر للقرآن الكريم بسبب غير صحيح، فهذا الربط أصلاً جاء نتيجة ارتباط القرآن الكريم بالموتى، قال الله تعالى ((لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)) [يس : 70] . وقد مات كثير من الناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت أنه قرأ القرآن على أحد من الناس وإلا فقط ثبت الاستغفار والدعاء كما ذكرنا. الأفعال التي يفعلها الناس من الصياح والعويل وما يلحق ذلك من لطم الخدود وشق الجيوب فهذا من فعل الجاهلية لقول النبي صلى الله عليه وسلم ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)). بعض الناس بتصور هذا أنه ينفع الميت. من ذلك أيضاً للأسف الشديد العادة الفرعونية الشائعة في المصريين وهي عادة ذكرى الأربعين. فالأصل في موضوع الاربعين هذا أنه عادة فرعونية كانت لدى الفراعنة قبل الإسلام ثم انتشرت عنهم وسرت في غيره وهي مما يدخل في قول النبي صل الله عليه وسلم ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ)). أيضاً ما يجري من التأبين أي يعملوا اجتماع او حفلة بعد موت الإنسان وكل واحد يقعد يتكلم عليه. فكنوع من الرثاء فهذا مما لا يجوز ففي حديث عبد الله بن أبي أوفى قال ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَرَاثِي)) لأن المراثي يكون فيها ذكر أوصاف اليت ويكون فيها أيضاً نوع من التفاخر. وفيها تجديد للوعة وتهيج للأحزان، من بدع الجنائز المنكرة وضع الجليد والزهور فوق القبر وهذا مخالف لهدي السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ووضع الزهور لا تأثير له –هو الميت حيشم الورود ولا حيستمتع بالنظر إليه، هذه عادات النصارى واليهود لا علاقة لها بدين الإسلام وإنما ينفعه العمل الصالح في حياته أو ما يجوز أن تهدي ثوابه له من الاعمال التي ذكرنها. فبعضهم قد يتحذلق ويستدل بحديث ((مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ : " أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ "، قَالَ : فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)) فهذا يحمل على التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك بدعائه بالتخفيف عنهما، وليس ذلك أن بمعنى أن هناك معنى في الرطب لا يكون موجوداً في اليابس. بعضهم خصص هذا الحديث بهذين الرجلين وهذا هو الراجح والله تبارك وتعالى أعلم.

ولو كان الصحابة فهموا العموم لكان انتشر ذلك فيهم لوضعوا الجريد الأخضر مثلاً على القبور. ومن ذلك أيضاً تخصيص زيارة القبور في أيام الأعياد والجمعة وهذه العادة لا دليل عليها. من ذلك وضع الشواهد الرخامية وغيرها على القبور لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. وفي الحديث أن علياً بن أبي طالب قال أَبِي الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ :أَلا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ)). يعني هذه إشارة وإلمام عابر يهذه الرسالة التي فيها إرشاد للأعمال التي يمكن أن ينتفع بها الميت من سعي الحي، وأيضاً المخالفات التي يظن بعض الناس أنها تنفع الميت وهي لا تنفعه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك  أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.