٩ ربيع ثانى ١٤٤٠ هـ | الأثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨
٤ شعبان ١٤٣٧ هـ 1800

أهمية الوقت

 

إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة الفراغ، وكثير من الناس مغبون في هذه النعمة التي لا يمكن أن تستوعب وصفها الأقلام والكتب؛ ولذلك أقسم الله بأجزاء من الوقت في غير ما آية من القرآن الكريم. فالعاقل من عرف شرف زمانه، وانقضاء أيامه، فدفعه ذلك إلى استغلال وقته بأحسن ما يمكن من الأعمال، وأفضل ما يستطيعه من الطاعات والقربات.

 

قيمة الوقت في حياة المسلم

 

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فأعظم ما يؤثر في الإنسان بيئته، ولا يرتفع تأثير البيئة عن الإنسان إلا بعامل أقوى، وهو عامل (العقيدة) أو (الدين)، فأقوى ما يؤثر في الإنسان الوسط أو الجو الفكري أو البيئة التي يعيش فيها. فالبيئة إن شاع فيها النظام التزم الجميع بالنظام، وإن شاعت فيها الفوضى فالأمر كذلك، والعامل الأقوى من تأثير البيئة، وهو العامل الوحيد الذي يلغي تأثير البيئة ويسيطر على الإنسان: هو عامل العقيدة، فالعقيدة هي التي تقضي على التأثيرات المنحرفة لهذه البيئة. هذه المنطقة التي تضم الأمة الوسط -وهي الأمة الإسلامية- شرقاً وغرباً، يذكر المؤرخون أنها عُرفت بالفوضى والتخلف والجهل، ولم يرتفع شأنها، ولم يكن لها ذكر إلا بتأثير العامل الأقوى من البيئة وهو عامل العقيدة، حينما أنزل الله عز وجل هذا الكتاب الذي قال فيه سبحانه وتعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10]. فالقرآن فيه الرفعة، وفيه الفوز، وفيه القوة، وفيه الكرامة، فلم يزل وصف التخلف والمذلة والفوضى والهمجية عن الأمة التي تعيش في هذه المنطقة إلا حينما بزغ فيها فجر العقيدة والتوحيد، فكانت خير أمة أخرجت للناس. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في هذه الأمة خاصة، فإنها إذا تخلت عن العقيدة عادت إلى التأثير الأصلي للبيئة، وهو تأثير الفوضى والهمجية والتخلف، ولا يرتفع عنها هذا الوصف إلا بالعودة إلى الإسلام، وليس لها عز في غيره، كما قال عمر رضي الله عنه: إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العز في غيره أذلنا الله. فإذا ابتغت هذه الأمة النهوض والإصلاح في أي منهج خلاف منهج الإسلام، فاحكم عليه مسبقاً بأنه فاشل، وإلى ضياع، وإلى خراب، وإلى فساد. فنقدم هذه المقدمة بين يدي هذا البحث، والوقت من الأمور المهمة، إذ إن قيمة الوقت عظيمة، وينبغي معرفة حقيقة الوقت، وخطورته في حياة المسلم، هذه القيمة لو عرفناها حق معرفتها، وقدرناها حق قدرها؛ لاحتجنا إلى أن ترضعها الأمهات مع لبن الأطفال؛ حتى يتشربها الجيل، وتؤسس الأمة على هذا المفهوم الخطير الذي إذا انحرفت فيه كان الخسران، وكان الضياع للأمة، كما نرى الآن في الإحصائيات الأخيرة أن المدة التي يستغلها العامل المسلم في الإنتاج: سبع وعشرون دقيقة في اليوم أي: أقل من نصف ساعة!! فطالما استمرت هذه الأمة بعيدة عن الإسلام فلا يمكن أن تنهض، وهذه العقيدة لا تزعزع ولا تتقلب، وهذه كلها سنن من الله سبحانه وتعالى. كل منا يمر برحلة على هذه الأرض، يقطع رحلة لابد له منها، هذه الرحلة بدايتها لحظة الميلاد، ونهايتها ساعة الموت ومغادرة هذه الدار إلى الدار الآخرة. هذا الوقت ما بين ساعة الميلاد وساعة الموت هو العمر .. هو الزمن .. هو الدهر .. هو الوقت الذي خصه الله عز وجل بخصائص وصفات ليست في غيره من الأشياء. ......

 

خصائص الوقت

  

الوقت من أنفس النعم التي أنعم الله بها على الإنسان

 

من أراد أن يعرف خطر الوقت وقيمته، فليتخيل رجلاً عاش ستين سنة مثلاً في معاصٍ، وفي فواحش، وفي كبائر، وفي كفر والعياذ بالله! ثم تاب في اللمحة الأخيرة قبل أن تأتيه الغرغرة، ثم قبض من ساعته بعد التوبة النصوح، فإنه بهذه اللحظات القليلة القصيرة التي تاب فيها يغفر له الله ما قد سلف: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، فانظر إلى شرف الوقت وخطورة الوقت! لحظات تاب فيها إنسان فهدمت كل علاقة له بماضيه الطويل في الكفر والفسوق والعصيان. وهذا يدل على أنه من التقصير في حق الوقت أن نقول: الوقت من ذهب، لماذا؟ لأن الوقت أغلى من الذهب .. الوقت هو الحياة .. هو أنفاسك: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84] العد: عدد الأنفاس التي قدر لك أنك ستتنفسها من هذا الهواء، فآخر هذا العدد خروج روحك وانقطاع نفسك، وهذا هو العدد الذي يعد لكل منا، وهو مكتوب لكل إنسان بقدره. فأول خصائص الوقت: أنه أنفس نعمة وأعظم نعمة أنعم الله عز وجل بها على الإنسان، فتراه أرخص ما يكون عند الجهال، وتراه أغلى ما يكون عند العلماء والعقلاء. وقيمة الوقت قضية تحتاج إلى أن ترضع للأطفال مع لبن الأمهات إذا أردنا الإصلاح فعلاً وأردنا التربية الصحيحة. هناك لحظتان مما يجسد قيمة الوقت وخطورته: اللحظة الأولى: لحظة الاحتضار حينما يحتضر الإنسان وتخرج روحه ويقول: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56] حينئذ ما من إنسان يأتيه ملك الموت إلا ويود لو أنه يمهل ولو قليلاً حتى يتزود من العمل الصالح، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11]. اللحظة الثانية التي تتجلى فيها قيمة الوقت وخطورته: حينما يأوي أهل الجنة إلى منازلهم، ويأوي أهل النار إلى منازلهم، ويرتفع صراخ أهل النار: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: ( يا ابن آدم! إنما أنت أيام ... ) أي: لست جسداً قوياً، ولست مالاً، لكنك تساوي أيام، أي: تساوي زمناً وأوقاتاً، ولم يقل: إنما أنت سنوات؛ إشارة إلى قصر العمر، وأنه سرعان ما يمر: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قليلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:112-114]. (يا ابن آدم! إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك) كل يوم ينقص منك، ويقل حظك من الدنيا، ومن هنا فلنا أن نرثي لحال هؤلاء القوم الذين يحتفلون كلما مرت بهم سنة بما يسمى بدعة عيد الميلاد، لا يمكن لمؤمن يؤمن بالقضاء والقدر أن يسمي عيد الميلاد عيداً فضلاً عن أن يحتفل به بالطريقة المعهودة المشابهة لطريقة المشركين؛ لأن المؤمن يصدق بأنه حينما كان جنيناً في بطن أمه، وبعد أن مر عليه في بطن أمه عشرون ومائة يوم يأتيه الملك، فيؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب: هل هو ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ ما أجله؟ فيكتب الأجل لكل نفس لها أجل مقدور عند الله سبحانه وتعالى منذ الأزل. فكل إنسان له كمية من الأيام، وكمية من العمر، وعدد محدود من الأنفاس، فكل زفير وشهيق معدود، وكل إنسان له رزق مقسوم من هذه الحياة، وكلما امتد العمر كلما نقصت هذه الكمية التي أحصاها الله سبحانه وتعالى من الأنفاس، ولا ندري نحن بحقيقتها. فأنت بتقدم السنوات تزداد اقتراباً من القبر، وفي الحقيقة عمرك ينقص وليس يزيد؛ لأنك تؤمن بالقدر، وتصدق خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكلما مضى يوم كلما ذهب بعض منك، وكلما نقص عمرك كلما زاد اقترابك من حفرتك. ولكي ندرك قيمة الوقت، علينا أن نتأمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن في يوم الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئاً من أمر الدنيا أو الآخرة إلا أعطاه إياه)، والقول الراجح الذي يدل عليه الحديث أنها آخر ساعة بعد صلاة العصر، وهي ساعة قصيرة قبل غروب الشمس يوم الجمعة. من يستطيع أن يعيد لحظات من هذا اليوم الذي انصرم؟ ما ولى لا يمكن أن يعود، وهذا يؤكد خطورة الوقت، وأهمية المحافظة على الوقت. سمعنا كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى الذي عاصر كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال فيه بعض السلف: ذلك الرجل الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء! مع أنه من التابعين، لكنه آتاه الله الحكمة، قيل: إن سبب ذلك أنه رضع من أم سلمة رضي الله تعالى عنها؛ فكلامه يشبه كلام الأنبياء، حتى إن كثيراً من الناس يحفظون عبارات يظنونها أحاديث وما هي إلا عبارات نطق بها الحسن البصري رحمه الله تعالى. قال الحسن : أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه! كانوا يبخلون بالوقت أكثر مما يبخلون بالدرهم والدينار؛ لأن العمر إذا ضاع فات ولن يعوض، والدرهم إذا ارتحل يوماً يمكن أن تعوضه في يوم آخر. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يداً ولم أقتبس علماً فما ذاك من عمري فهذا اليوم الذي لم أجد فيه قرباً من الله، ولم أصنع يداً أو معروفاً، ولم أكتسب فيه علماً جديداً، فلا يحتسب ذلك اليوم من عمري!! وكان الوزير ابن هبيرة -وهو شيخ الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى- يقول: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيعُ إذاً: أول خصيصة من خصائص الوقت: أنه من أعظم النعم التي أنعمها الله سبحانه وتعالى على الإنسان؛ لأن الوقت هو الحياة.

 

الوقت ما مضى منه لا يعود

 

يقول الحسن البصري : ما من يوم ينشق فجره إلا ينادي: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة. ومما ينبغي التنبه له: أن مجرد اشتغالك بالندم على وقت ضيعته من قبل، يعتبر تفويتاً للحظة الحاضرة التي أنت فيها، فلا ينبغي أصلاً أن تنشغل بالندم على وقت فات، بل عمِّر هذا الوقت بالأعمال الصالحة، والتزود للمعاد. قال الإمام الهروي في ذكر أنواع الغيرة: منها: الغيرة على وقت فات، فيتذكر وقتاً ضاع منه في اللهو .. في العبث .. في الإفراط؛ فيضيع لحظته الحاضرة في التندم والتأسف على اللحظة الفائتة، فهذه غيرة قاتلة، فإن الوقت سريع التقدم -أي: سريع الانقضاء- أبي الجانب، بطيء الرجوع. فمن فاته وقت لا يمكنه استدراكه البتة؛ لأن الوقت الآتي لن يجيء بدون واجبات، فكلما أتى وقت جاء معه عمله الخاص، فإذا فاتتك اللحظة الماضية فلا سبيل إلى تداركها، كما جاء في المسند مرفوعاً -وإن كان الحديث ضعيفاً-: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه). ومما ثبت في نفس هذا المعنى قول أبي بكر رضي الله عنه لـعمر رضي الله عنه حين استخلفه: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق في الليل لا يقبله في النهار. وقال عمر رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. بعض الناس يقول: نحن نقتل الوقت! هو في الحقيقة يقتل نفسه .. هو ينتحر انتحاراً بطيئاً دون أن يشعر! يقول بعض الشعراء: وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفر يفنيه باليوم والشهر يبيت ويضحي كل يوم وليلة بعيداً عن الدنيا قريباً من القبر

 

من خصائص الوقت: سرعة انقضائه

 

يقول بعض الشعراء: مرت سنين بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ ثم انثنت أيام هجرٍ بعدها فكأنها من طولها أعوامُ ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ! فما دام الموت نهاية كل حي، فمهما طال عمر الإنسان فهو قصير، فإن البعيد ما ليس بآتٍ، لكن كل ما هو آتٍ فهو قريب، يقول بعضهم: وإذا كان آخر العمر موتاً فسواء قصيره والطويلُ ومما يروى في الآثار: أن نوحاً عليه السلام أتاه ملك الموت، فقال له: يا أطول الأنبياء عمراً -عاش ألف سنة- كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر!! يقول الله عز وجل -مشيراً إلى سرعة انقضاء الوقت-: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:46]، كل عمر الدنيا هذا كأنه عشية أو ضحاها!! ويقول عز وجل: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس:45]. فالمقصود: أن هذه الخصائص المهمة للوقت لابد من تذكرها، وعدم الالتفات إلى قول البعض بأنهم يقتلون الوقت، وما هو إلا انتحار بطيء كما ذكرنا. وأيضاً: لابد أن ننتبه إلى أنه لا يوجد شيء اسمه فراغ؛ لأن الفراغ لا يبقى فراغاً، لكنه لابد أن يملأ بخير أو بشر، ويوضح هذا قول الحسن البصري : نفسك إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل. فإذا كان هناك إنسان فارغ فلابد أن ينشغل، فإن لم يبادر ويشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل. قال بعض السلف: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة، أي: يحرك الشهوات. وقال بعضهم: إن الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة فهذه معادلة، ومعنى الجدة أي: توافر المال ويسر الحال، فهذه الأمور الثلاثة تساوي: مفسدة للمرء أي مفسدة. وقال آخر: لقد هاج الفراغ عليه شغلاً وأسباب الفراغ من البلاءِ أي: تسبب له في أن تعلق قلبه بالشهوات وأحلام اليقظة!

الوقت في القرآن والسنة

 

الوقت في القرآن الكريم

 

نقف مع بعض النصوص التي تبين قيمة الزمن، من القرآن ومن السنة: يقول الله عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:12]، وقال عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم:33]، وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12]، وقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62] (خِلْفة) أي: يخلف أحدهما الآخر، فمن فاته عمل في أحدهما حاول أن يتداركه في الآخر، هذا هو المقصود من كلمة: (خلفة) أي: يخلف الليل النهار، ويخلف النهار الليل، بحيث من فاته عمل الليل حاول أن يتداركه ويعوضه في النهار، وهكذا. أيضاً: معلوم أن الله سبحانه وتعالى إذا أقسم بشيء من خلقه، فإنما يقسم سبحانه به ليلفت نظر الخلق إلى أهمية هذا الشيء، وينبههم على منفعته وآثاره، فأقسم الله سبحانه وتعالى بأزمان وبأوقات معينة؛ ليدل على شرف هذا الزمان؛ لأنه آية من آيات الله، ونعمة من نعم الله على الإنسان، قال سبحانه وتعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، فأقسم الله بالفجر وليال عشر، وهذه أزمنة وأوقات. وقال سبحانه وتعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]. وقال عز وجل: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]. وأقسم سبحانه وتعالى بما هو أعم من ذلك، وهو العصر (الزمن والدهر)، فقال سبحانه وتعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3]. فالمقصود بالعصر هنا: الدهر أو الزمن؛ وذلك لشرفه وقيمته، فالله سبحانه وتعالى يقسم بالعصر؛ لأنه لا شيء أنفس من العمر، وفي تخصيص القَسَم بالعصر إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والموارد إليه، وبعض الناس حينما يسبون الدهر يقولون: يا خيبة الدهر! يا ويل الدهر! فالله سبحانه وتعالى يقسم به ليبين أن العيب فيكم، ويحل بكم العقاب بسبب أعمالكم أنتم، وليس للدهر شأن في ذلك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر). فالمقصود: أن الله أقسم بالدهر؛ ليبين شرفه ومكانته، وأنه نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى وآياته، فمن ذم الدهر فلتفريطه في جنب الله، وليس لأن الدهر هو السبب في ذلك. يقول الإمام الرازي في هذه الآية: إن الدهر مشتمل على الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبت في اللمحة الأخيرة من العمر لكنت في الجنة أبد الآباد! فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في هذه اللمحة، فكان الدهر والزمان من أعظم النعم. جاء في الحديث الصحيح: أن مشركاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وشهد الشهادتين، ثم لم يلبث أن نودي للجهاد، فخرج في الغزوة فقتل فدخل الجنة، فهذا رجل امتد عمره في الشرك والكفر، فأتى تائباً وأسلم، وشهد الشهادتين، ولم يُصلّ حيث لم يأت عليه وقت صلاة؛ لأنه أسلم منذ لحظات، فبمجرد أن أسلم خرج للجهاد، فقتل في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (عمل قليلاً وأجر كثيراً). فهذا العصر وهذا الزمن بمضيه ينتقص العمر، فإن لم يكن في مقابله انتقاص العمر كسب وأعمال صالحة، صار ذلك النقصان هو عين الخسران!! ولذلك قال سبحانه: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2]، فالأصل أن كل بني آدم خاسرون، واستثنى هؤلاء الطائفة المهدية: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]. وهناك آيات أخر تؤكد هذا المعنى، ومنها قول الله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ [فاطر:37]، وذلك حينما يتمنى أهل النار الخروج كما قال الله عنهم: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] ، فيجيبهم الله بأنه امتن عليهم بنعمة العمر ونعمة الوقت، ولكنكم ضيعتموها: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]، وقال عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]، لكنه يقين لا يفيد، ولات حين مندم. وقال عز وجل: وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ:52]، كيف إذا أتاهم الموت يطلبون الإيمان، ويقولون: آمنا؟! فهم كحال الشخص الذي يتناول شيئاً من مكان بعيد، فهل يقع في يده وهو بعيد عنه؟! كذلك هُم بعيدون من التوبة، وبعيدون من الإيمان في مثل هذا الموقف، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [سبأ:54] ليس المقصود: ما يشتهون من الشهوات، والأطعمة، والأشربة، والأنكحة، ونحو هذه الأشياء!! لكن المقصود أنه في حالة احتضار الكفار حيل بينهم وبين ما يشتهون من التوبة، ومن الرجوع ليستدركوا ما فاتهم. وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سبأ:54]، فالدنيا دار امتحان، والآخرة دار ظهور نتائج، فالإنسان في هذه الدار في حالة امتحان، وكل إنسان آتاه الله سبحانه العقل، وفطره على الإسلام، وقد أقام الله في السماوات والأرض آيات وبراهين واضحة على وحدانيته سبحانه وتعالى، وأرسل الله الرسل، وضمن للعباد ألا يعذبهم حتى يأتيهم الرسل، فجاء الرسل: مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، ومع ذلك غرتهم الحياة الدنيا، وفرحوا بما عندهم من العلم، فهم يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض كل جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة)، وهذا حال أكثر الناس في هذا الزمن، قد اغتروا بما لديهم من قوة، ومن علم، ومن بيوت، ومن أموال، ونسوا هذه الحقيقة، ونسوا ما ينتظرهم من الحساب، وهؤلاء أنفسهم سوف يصطرخون إن لم يتوبوا ويقولون: (ربنا أخرجنا)، ويقولون: فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102]، فيجابون: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]. ومن شرف الوقت أن السعداء -أهل الجنة- يقطفون ثمرة الوقت، ثم يقال لهم في الجنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24]، وتأملوا كلمة: (الأيام) فهي الوقت والزمان الذي تعيشون أنتم فيه الآن. أما الأشقياء فيقال لهم في النار: ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ  [غافر:75]. من أجل ذلك أمر الله المؤمنين بالتنافس في هذا المضمار، والمسابقة والمسارعة في الخيرات؛ لأن الإنسان يجري والموت يجري وراءه، ولابد أن يدركه كما في الحديث: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من أجله لأدركه رزقه كما يدركه الموت). فأجلك يعدو خلفك، وسيلحقك في موعد محدد، لا يفرق بين جنين في بطن أمه، ولا يفرق بين صبي لم تكتب عليه خطيئة، ولا بين شيخ وشاب، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين مسلم وكافر، ولا بين صالح وطالح: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:11]. فمن أجل ذلك، ومن أجل خطورة الوقت، كان التعبير دقيقاً في هذه الآيات التي نتلوها، قال الله عز وجل: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، انظر كلمة: الاستباق: (فاستبقوا الخيرات) أي: ابذلوا أقصى ما في وسعكم لتحصيل ما أمكنكم من الخيرات. ويقول الله عز وجل في مدح الأنبياء: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء:90]. ويقول عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50]. وقال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وليس المقصود الجري، إنما المقصود: المسارعة إلى الأعمال الصالحة، أما في الأمور المضمونة كالرزق، فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]، وأما في أمور الآخرة فقال: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، وقال سبحانه وتعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأ

 

الوقت في السنة النبوية

 

 

 

الأدلة من السنة كثيرة على أهمية الوقت، ومنها ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء ...) أهل الجنة في النعيم، والسلامة من التنغيص والآلام والنكد، فما هو الشيء الوحيد الذين يتحسرون عليه؟ يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء، إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -أي: نخلة صغيرة- فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل) هل هناك دليل يدل على عظمة الوقت أكثر من هذا؟ حتى لو أذن الله بخراب الدنيا وقيام الساعة، وبدأ إسرافيل بالنفخ في الصور ليقضي على كل مظاهر الحياة في الكون، فمع ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها )، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان يقوم بحق الوقت الحاضر، ويعيش اللحظة الذي هو فيها، ويقطع النظر عن الماضي، فلا يفوت وقته الحاضر بالتندم والتحسر على الماضي، ويقطع نظره أيضاً عن المستقبل، حتى لو كان هذا المستقبل لحظة، أو جزءاً يسيراً جداً من اللحظة يوشك بعده أن تقوم الساعة وينفخ في الصور. وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهما قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غداً، فقال له عمر : أعزم عليك لتغرسنها -يعني: أحلف عليك لابد أن تحرث الأرض وتزرعها-، يقول: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي. ويحكون عن كسرى فارس أنه خرج يوماً يصطاد، فوجد شيخاً كبيراً يغرس شجر الزيتون -وشجر الزيتون يثمر بعد ما يقارب ثلاثين سنة-، فوقف عليه وقال له: يا هذا! أنت شيخ هرم، والزيتون لا يثمر إلا بعد ثلاثين سنة، فلم تغرسه؟ فقال: أيها الملك! زرع لنا من قبلنا فأكلنا، فنحن نزرع لمن بعدنا ليأكلوا! فحتى لو كنت أنت لم تحصد هذه الثمرة، فكما حصدت ثمرة من غرس من قبلك، فاغرس لمن بعدك. وقصة عمر رضي الله عنه في قصته مع خزيمة بن ثابت رضي الله عنه تبين لنا خطورة الزمن والوقت. وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة) أي: لا ينطلق من بين يدي الله سبحانه وتعالى إلا بعد الحساب، إذ لابد لكل إنسان أن يحاسب، ويسأل أسئلة إجبارية وليست اختيارية: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به). فتأمل! أربعة أسئلة إجبارية، منها سؤالان في مادة الوقت .. في مادة الزمن: (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه) مع أن الشباب يدخل في العمر! لكن خص النبي صلى الله عليه وسلم الشباب؛ لما له من قيمة متميزة، باعتباره سن الحيوية، وسن القوة بين ضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة. فالشباب هو سنّ الثبات، وسنّ العمل، وسن التحصيل، بعكس ما يفهم بعض السفهاء في هذا الزمان، فيقول: تمتع بشبابك! أنت ما زلت في مقتبل العمر! وإذا أردت أن تمنع نفسك من اللهو، والفسق، والمعاصي المنتشرة قال لك: أنت ما زلت شاباً! ويقال للمرأة: تحجبي، فتقول: أنا ما زلت صغيرة! ما زلت شابة! حتى أكبر! مع أن المرأة العجوز لا تشتهى، ولا يسمع في الغالب أنها تفتن أحداً، فكأنهم قلبوا معنى الآية، وهذا من تلبيسات الشيطان على الناس. وبعض الناس يقول: ساعة لقلبك، وساعة لربك! فعندهم: ساعة لربك أي: نعبد ربنا، ونصلي، ونفعل ما علينا!! وساعة لقلبك، أي: يعصي الله فيها! فكأنها نوع من المعادلة، فيقسمون الوقت ساعة لربهم، وساعة لشيطانهم! فمن تلبيس الشيطان على الناس أن يظن بعضهم أن فترة الشباب فترة العبث واللهو، وبعدما يعجز يتوب!! يقول بعض الشعراء: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما صنع المشيبُ عبر بـ:(ليت) التي فيها تمني المستحيل؛ لأن (كل داء أنزله الله له دواء إلا الهرم) أي: الشيخوخة، فلا يعود الشباب أبداً، فهذه أعظم فرص التحصيل، وهي فرصة الشباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً؟ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ [يونس:83] يعني: ذرية من الشباب، وأصحاب الكهف كانوا من الشباب: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [الكهف:10]، وتقول حفصة بنت سيرين رحمها الله: يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وأنتم شباب؛ فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب. الطفل لا يعمل، والعجوز لا يقوى على ما يقوى عليه الشباب. ومن الأحاديث التي تبين قيمة الوقت: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس)، والغبن: أن يشتري الإنسان السلعة بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المثل، فالإنسان إما بائع أو مشتري، فإذا اشترى شيئاً بأضعاف ثمنه الحقيقي فقد غبن، وإذا باع شيئاً بأقل من سعر المثل فقد غبن، أي: في الحالتين تحصل خسارة. فهاتان نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، إذ إن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا أمران: الصحة، والفراغ -الوقت-، فالصحة ضيف عابر يعقبها السقم، والفراغ يعقبه الشغل، فمن جمع الله له هاتين النعمتين فوضعهما في موضعهما فهو المغبوط على هذا، وإلا فهو المغبون مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس) أي: أدرك هذه الغنيمة، ولا تدعها تهرب منك؛ فإنها ضيف عابر ينزل عليك ثم سرعان ما يخلفه غيره: (شبابك قبل هرمك)، فاغتنم شبابك؛ لأنه وقت الطاعات، ووقت تحصيل الأعمال، (اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة) رواه البخاري، الإعذار: إزالة العذر، والمعنى: أن هذا الشخص لم يبق له عذر؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمهله، أنت كلما نمت واستيقظت هذه نعمة؛ لذلك كان عليه الصلاة والسلام أول ما يستيقظ يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، ويقول: (الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافني في جسدي، وأذن لي بذكره)، فهذه الروح تخرج عند النوم، لأن النوم أخو الموت، وهو الموتة الصغرى، فتخرج هذه الروح من البدن بكيفية معينة الله يعلمها، فأنت في حالة النوم ميت، فالنوم شقيق الموت، فإذا خرجت روحك فمن يعيدها إليك؟ الله سبحانه وتعالى. إذاً: الله يمن عليك كل يوم بأن يرد إليك روحك ليمهلك، ويستعتبك، ويعطيك فرصة، فمن أعظم النعم أنك ترى نفسك في الصباح ما زلت حياً، فهذه فرصة جديدة تفتح لك الأبواب: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)، فنعم الله سبحانه وتعالى لا تنفد، ونعمه على العباد لا تنقطع، ولا تعد ولا تحصى، فهذه من أعظم النعم عليك؛ لأنه كان من الممكن أن يأخذ روحك، وما أكثر ما نسمع عن إنسان نام فلم يقم!! تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من سليم مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكاً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري فهذا الحديث مما يبين خطورة الوقت؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أمهل الإنسان، ومد له في عمره حتى بلغه ستين سنة، فليس له عذر عند الله، ولم يبق له أي موضع اعتذار إذا تمادى في المعاصي، (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة). ولعل هذه هي الحكمة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك) (أعمار أمتي) أي: أغلب هذه الأمة أعمارها تكون بين الستين والسبعين، (وأقلهم من يجوز ذلك)، فهذه من منن الله على هذه الأمة أن يمهل لهم، ويمد لهم في الأجل حتى يتوبوا. ومما يبين قيمة الوقت أيضاً من السنة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مر مع الصحابة رضي الله عنهم على قبر، فوقف، وقال لهم: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون، يزيدهما هذا في عمله، أحب إليه من بقية دنياكم)، (ركعتان خفيفتان مما تحقرون) تصلي ركعتين وتقول: هذه طاعة يسيرة (مما تحقرون وتنفلون) أي: نافلة وسنة، (يزيدهما هذا الرجل في عمله) أي: يتمنى لو يخرج إلى الدنيا فقط ليصلي ركعتين، ويعاد في القبر، يتمنى أن ينتهز هذا الزمن اليسير -خمس أو ثلاث دقائق- ليصلي ركعتين، وهذا أحب إليه من بقية دنياكم. ولما بنى النبي صلى الله عليه وسلم مسجده من الجريد وسعف النخل، قيل له: (يا رسول الله! هلا اتخذت لبناً؟ -أي: هلا بنيت المسجد من الطوب؟- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل عريش كعريش موسى، ثمام وخشبات، والأمر أعجل من ذلك)!! وقال صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) (أدلج) يعني: مشى بالليل، كان الناس من قبل يسافرون على الدواب والجمال والخيول ونحوها، فكان إذا خاف الإنسان ألا يصل إلى البلدة التي يسافر إليها في الموعد، فلا ينام بالليل، ويظل يدلج، أي: يسير في الليل. فيقول النبي عليه الصلاة وا

 

أسباب ضياع الوقت

 

فضول المجالسة والمخالطة

 

فضول المجالسة والمخالطة، مثل ما يسمى بجلسات الدردشة، والآن التجارة يكاد يحتكرها النصارى، فكثير من المسلمين اليوم يقضون وقت فراغهم في أكل اللب الأصفر والأبيض والأحمر والحمص وهذه الأشياء التي تسمى تسالي، لا داعي للب وللحمص، هذه الأشياء عدوة الذكر، عدوة العلم، أنا ما أقول: إنها حرام، لكننا نستسهلها لأننا نعيش في فراغ، ولو أن الإنسان قرأ في جلوسه آية من القرآن لكان خيراً له، فالحرف الواحد بعشر حسنات. إذاً: هذا عمى في البصيرة، وقلة تفكر، ومن كان هذا حاله فإنه لا يفقه ولا يعقل، إذ كيف يضيع الساعات الطوال في سهرات أمام التلفزيون، ويقول لك: نقتل الوقت؟! وكذلك: الولائم .. الدعوات .. السياحة .. السف

تحميل 0.08 MB