٧ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨
٢٧ جمادى ثانى ١٤٣٨ هـ 1291

 

عظماء رغم الإعاقة

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه من بعده

 أما بعد ...

 

 فإن من ثمرات قوة الإرادة وعلو الهمة تحدي كبير الهمة للعوائق التي تبدو لأول وهلة حائلا يحول دون النجاح بل التفوق والإنجاز، ومن ذلك كل أنواع الإعاقة الجسدية فيُثْبِت بحسن مواجهته إعاقته وتأهيله نفسه أنه لا شيء ممكن أن يقمع الروح الوثَّابة والنفس الطموحة إذا حلَّقَت عاليا نحو القمة، فإن طاقة الجسد محدودة وطاقات الروح ممدودة، وعلى قدر نية الإنسان وبعد همته تأتي معونة الله تعالى الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا.

 لقد أثبت هؤلاء المعوقون العظماء أن مقولة "العقل السليم في الجسم السليم" ليست مُسَلَّمَة على إطلاقها؛ فها هو ذا التاريخ القديم والتاريخ الحديث يذخران بنماذج ممن أَلَمَّت بأجسامهم إعاقة جسدية، لكنها لم تنل من همتهم وإرادتهم، فتركوا بصمات تفوَّقوا بها على كثير من أصحاب الأجسام السليمة ممن حُرِموا نعمة الهمة العالية والإرادة القوية.

 إن اليتم والعمى والعرج والغُرْبة والفقر والمرض والإعاقة قد تكون في حد ذاتها أسبابا للنبوغ والإبداع

 قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ** ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

 إن الاعاقة الحقيقية هي إعاقة الروح وشلل الإرادة فالاكتئاب إعاقة، والخجل إعاقة، والتردد إعاقة، والخوف إعاقة لا يُغني معها شيئا سلامة الجسد.

 ولأن النماذج كثيرة فإنَّا نقتصر على ذكر أمثلة من الشخصيات التي ازدانت بها صفحات تاريخنا ممن ألَمَّ بهم نوع من الإعاقة لكنهم تفوقوا وأنجزوا وأبدعوا.

 

فمن هؤلاء "عمرو بن الجموح" رضي الله عنه من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أعرج ومع ذلك أصر على المشاركة في غزوة "أُحُد" وسأل الله الشهادة فظفر بها، ولما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الشهداء قال: " كأني أنظر بك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة".

 

 ومنهم "عبد الرحمن بن عوف" رضي الله تعالى عنه من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأحد السابقين البدريين، وأحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام جاهد في غزوة أحد وأصيب فيها بعشرين جُرْحًا ترك أحدها في ساقه عرجا دائما، وسقطت بعض أسنانه فتركت أثرا واضحا في نطقه وحديثه فكان أهتم أعسر أعرج رضي الله تعالى عنه.

 

 ومنهم "الأحنف بن قيس" اسمه الضَّحَّاك ولُقِّب بالأحنف لحَنَف أي اعوجاج في رجليه منذ ولادته، كان ملتصق الفخذين فشُقَّ ما بينهما، وكان أعرج، أعور دميما قصيرا كوسجا -أي لا شعر على عضديه ولا لحية- متراكم الأسنان، صغير الرأس، مائل الذقن بارز الوجه، منخسف العينين، ولكنه جمع خصال السيادة والشرف من حِنْكة وحلم وحزم ومروءة واعتداد بالنفس، ومصارحة بالرأي مع حسن بيان وطلاقة لسان، يضرب بحلمه وسؤدده المثل، حتى قيل: "إن الأحنف من عِزِّه كان إذا غضب غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضب"

 وقال عنه الجاحظ: "إنه أَبْيَن العرب والعجم قاطبة"

 وقال فيه الشاعر:

 إذا الأبصار أبصرت ابن قيس ** ظللن مهابة منه خشوعا

 قال مغيرة: "ذهبت عين الأحنف فقال ذهبت من أربعين سنة ما شكوتها إلى أحد".

 

 ومنهم "أبو الأسود الدؤلي" القاضي الفقيه المحدث الشاعر الأمير النحوي عُرِف بصفات عديدة؛ فهو أعرج أصلع أبخر شجاع ذكي، وهو الذي وضع أصول النحو العربي، ونَقَط المصحف الشريف، وكان من القُرَّاء الحفظة لكتاب الله تعالى، أصيب آخر عمره بالفالج -وهو الشلل النصفي الذي يصيب أحد شِقَي الجسم طولا-.

 

 ومنهم "عمار بن ياسر" رضي الله عنهما الذي شارك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جميع المشاهد والغزوات، وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاهد في حروب الردة وفقد فيها أذنه وذراعه.

 قال له رجل بصري في نهاوند يُعَيّره: ""أيها الأجدع -أي المقطوع الأذن-، فقال عمار رضي الله عنه: "خير أذني ثَبَت فإنها أصيبت في سبيل الله"".

 

 

 ومنهم "أبان بن عثمان بن عفان" ابن الخليفة الراشد رضي الله عنه، كان به صمم وحول وبرص، وأصابه الفالج قبل وفاته بعام، كان من فقهاء التابعين وعلمائهم، قال فيه عمرو بن شعيب: "ما رأيت أحدا أعلم بحديث ولا فقه من أبان بن عثمان"

 ويُعَد من فقهاء المدينة العشرة المشهورين.

 

 ومنهم "سعيد بن المسيب" سيد فقهاء التابعين كان رحمه الله أعور، وكان مثالا يُحتذى في دينه وخلقه وسيرته، وهو سيد فقهاء المدينة السبعة وأفضلهم قال عنه عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: "لو رأى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لسَرَّه"

 وقال الخزرجي: "هو رأس علماء التابعين وفردهم وفاضلهم وفقيههم".

 

 ومنهم "موسى بن نُصَير" التابعي الفاتح الإسلامي الذي لم يُهْزم في معركة، فتح الشمال الأفريقي، وهو الذي أرسل طارق بن زياد لفتح الأندلس ثم لحق به وأتمَّا فتحها، وكان موسى أعرج.

 

 ومنهم "محمد بن سيرين" التابعي الجليل شيخ الإسلام، كان أصم قصيرا عظيم البطن، قال الطبري: "كان ابن سيرين فقيها عالما ورعا أديبا كثير الحديث -أي الرواية صدوقا- وهو حُجَّة"

 وقال الشعبي: "عليكم بذلك الأصم"، وقال الأصمعي: "إذا حَدَّث الأصم بشيء فاشدد يديك"

 وقال أبو عوانة: "رأيت محمد بن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله عز وجل"

 وقال ابن سيرين: "أدركت القوم وهم يقدمون خمسة من بدأ بالحارث الأعور ثَنَّى بعبِيدة، ومن بدأ بعبِيدة ثنَّى بالحارث، ثم علقمة الثالث لا شك فيه ثم مسروق ثم شريح، وإن قوما أخصهم شريح لقوم لهم شأن"

 وعن محمد بن سيرين قال: "كان أصحاب عبد الله خمسة كلهم فيهم عيب؛ عبِيدة أعور، ومسروق أحدب وعلقمة أعرج، وشريح كوسج، والحارث أعور".

 

 ومنهم "عطاء بن أبي رباح" العالِم الفقيه التابعي، كان مصابا بالعرج الشديد، وكان قد فقد إحدى عينيه في صغره، وكان أسود أفطس، وقُطِعَت يده أثناء قتاله مع عبدالله بن الزبير ثم عَمِي بعد ذلك رحمه الله تعالى، أصبح مُفْتِي مكة وكان ثقة فقيها عالما محَدِّثا زاهدا، أدرك مائتي صحابي وأخذ عنهم العلم، وأمضى نصف قرن يُفْتِي الناس.

 

 ومنهم "قالون أبو موسى عيسى بن مينا" الإمام المُجَوِّد النحوي، مُقْرِىء المدينة، وتلميذ نافع، قال علي بن الحسن الهسنجاني: "كان قالون شديد الصمم فكان يَنْظُر إلى شَفَتَي القارىء ويرد -أي يرد عليه اللحن والخطأ-".

 

 ومنهم "نُعَيْم بن حَمَّاد بن معاوية" الإمام العلامة الحافظ صاحب التصانيف الفَرَضِي الأعور

 قال المروزي سمعت أبا عبد الله يقول: "جاءنا نعيم بن حماد ونحن على باب هُشَيْم نتذاكر المُقَطَّعَات يعني -أقوال الصحابة والتابعين-، فقال كأنه يعاتبهم جمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فعونينا بها من يومئذ"

 وعن الإمام أحمد قال: "أول من عرفناه يكتب المسند نعيم بن حماد"

 وقال أبو بكر الخطيب: "يُقال أن أول من جمع المسند وصَنَّفَه نُعَيْم"

 سُجِن نعيم بن حماد رحمه الله وقُيِّد لامتناعه من القول بخلق القرآن، فَجُرَّ بأقياده فأُلْقِي في حفرة، ولم يُكَفَّن ولم يصلّ عليه، فعل به ذلك صاحب ابن أبي دؤاد.

 

 ومنهم الإمام "محمد بن عيسى الترمذي" صاحب السنن من أئمة الحديث الأفذاذ، قال فيه السمعاني: "إمام عصره بلا مدافعة"، صاحب التصانيف، كان ضريرا رحمه الله تعالى.

 

 ومنهم "علي بن إسماعيل بن سيده" رافقه العمى منذ ولادته من أشهر علماء اللغة العربية في الأندلس، قال عنه صاعد الأندلسي: "أعلم أهل الأندلس قاطبة بالنحو واللغة والأشعار وأحفظهم لذلك"، وهو موثوق في روايته حُجَّة في نقل اللغة، أَلَّف (المُخَصَّص) و(العويص في شرح إصلاح المنطق)، و(الوافي في علم القوافي)، وكتابه الكبير الذي أملاه من صدره (المحكم والمحيط الأعظم).

 

 ومنهم "أبو الحسن الحصري القيرواني" من أكبر القراء والأدباء والشعراء في بلاد المغرب العربي والأندلس، عاش ضريرا منذ صغره، وافتخر بعَمَاه على المبصرين بسبب علمه وموهبته الشعرية، وأَلْمَح إلى أن ذهاب بصره كان نعمة عليه؛ لأن نور عينيه انعكس إلى قلبه فتضاعف نوره، يقول:

وقالوا قد عميت فقلت: كلا ** فإني اليوم أبصر من بصير.

 

 ومنهم المفسر الشهير "أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المعتزلي" صاحب (الكشاف عن حقائق التنزيل)، كان رأسا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، قيل سَقَطَت رجله من الثلج فكان يمشي على عكاز خشبي، ولهذا قيل: "لولا الأعرج والكوسج لرُفِع القرآن بِكْرًا"؛ يعني لولا هذان الرجلان لم تتبين بلاغة القرآن على وجهها الأتم الأكمل، والأعرج هو الزمخشري، والكوسج -وهو الذي لا شعر على عارضيه أو هو قليل شعر اللحية- والمراد به الإمام سراج الدين السِّكَاكي.

 

 ومنهم الإمام المبارك بن محمد المعروف بـ "ابن الأثير الجزري" أُقْعِد في آخر زمنه فصَعُبَت عليه الحركة حتى كان السلطان نور الدين شاه يقصده في منزله في مهام نفسه.

 

 ومنهم الحافظ العلامة "ابن العطار" أخص تلامذة الإمام النووي أصيب بالفالج سنة 701 وكان يحمل في مِحَفَّة، ويطاف به مجالس العلم ليُلْقِي على الطلاب دروسهم.

 

 ومنهم "مصطفى صادق الرافعي" المتوفى سنة 1937م، أصيب بمرض وهو في المرحلة الابتدائية أثَّر على أعصاب سمعه، فأخذ سمعه يضعف ويثقل حتى أصبح أصم وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره، لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية كالعقاد، ولكنه عَلَّم نفسه وعَلَت همته وتعلم على يد والده، واستفاد من مكتبة والده الحافلة بكتب الفقه واللغة العربية، فاكتسب ملكة أدبية خصيبة، واتسعت ثقافته الإسلامية، وصار شاعرا مبدعا، وكاتبا بارعا، ومؤرخا وناقدا، ترك تراثا أدبيا وفيرا، ويُعَد الرافعي بحق محامي الحضارة الإسلامية واللغة العربية؛ خاض معارك أدبية لا حد لها مع أعداء الدين واللغة والتاريخ رحمه الله تعالى، وقال عنه الزعيم مصطفى كامل: "سيأتي يوم إذا ذُكِر فيه الرافعي قال الناس هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان".

 

 ومنهم فارس المنبر الشيخ "عبدالحميد كشك" رحمه الله المتوفى سنة 1996م عندما بلغ السادسة من عمره أصيب بمرض في عينه أفقده بصره، وهو أشهر خطباء العصر؛ له أكثر من ألفي خطبة مسجلة، خطب مدة أربعين سنة ولم يلحن في كلامه قط، حفظ كتاب الله قبل أن يبلغ العاشرة، وكان أول الجمهورية في الثانوية الأزهرية، واستمر الأول على دفعته في كلية أصول الدين طوال سنوات الدراسة رغم الصعوبات الشديدة التي واجهها بسبب فقدانه بصره، وكان يكلفه بعض أساتذته وهو طالب بشرح المواد الدراسية في محاضرات عامة للطلاب، بل كان منهم من يَعْرِض عليه مادته العلمية قبل أن يلقِيَها على طلابه وبخاصة علوم النحو والصرف، كان من أصحاب البيان واللثن وجهارة الصوت وقوة التأثير، وكان وراءه جمهور ضخم، ولقيت تسجيلاته انتشارا وذيوعا داخل مصر وخارجها، اهتدى كثيرون في أطراف الأرض وتابوا بسبب خطبه التي طَوَّفَت أرجاء الدنيا خاصة شباب المهاجرين المسلمين إلى الغرب، كان أحيانا يعتمد أسلوب القصاصين ولا يتحرى صحة الأحاديث رحمه الله تعالى.

 

 وكنت أعرف شابا في سبعينيات القرن الماضي فقد في حادثة قطار رجليه وذراعيه إلا جزءًا يسيرا من أعلى عضديه، ومع ذلك كان يعمل بجد واجتهاد، بقي أن تعرف أن عمله الذي كان يجيده ومهنته التي أتقنها هي مهنة الخَطَّاط، فقد كان جميل الخط، وكان يكتب لافتات المحلات التجارية في منطقة محطة مصر بالإسكندرية -ميدان الجمهورية حاليا-، وما أكثر ما كنا نَمُر عليه وهو مُعَلَّق على سلم وقد أمسك بإحكام بفرشاة الخط بما تَبَقَّى من عضديه كاتبا للَّافتات بأجود خط وأحسنه.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تحميل 0.07 MB