٧ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨

 

8- عمرها يوم... وتحيا اليوم حتى منتهاه

 

ما هي السمات النفسية للمنتحر، المنتحر لا يستطيع أن يبلور طاقاته الدفاعية لكي يتعامل مع الناس ومع الواقع، أيضا يكون لديه شعور بالنقص أو الخسارة، وعدم القدرة على تخطي ظروفه أو التأقلم مع الظروف المختلفة،

 أحيانا تكون هناك طبيعة نرجسية في الشخصية المنتحرة كالمشاهير الذين اشتهروا وعاملهم الناس بطريقة معينة ثم فجأة ينطفىء هذا البريق وينزوي ويجد أن الناس نسوه أو نحو ذلك ويحصل انتحار المشاهير، معاملة الناس تدعم عنده الطبيعة النرجسية، أيضا من سمات المنتحر النفسية ضمور وضعف الطاقة التخيلية، وعدم قدرته على التنفيس عن طريق الخيال، أيضا من سماته أنه لديه عُنْفًا يتوجه نحو ذاته، وضعف الثقة في النفس وهو دائما محتاج إلى امتداح الآخرين وطمأنتهم، ويتميز باللامسؤلية وغياب الاستقرار العاطفي والنفسي، وفقد ثقة المثابرة والاستمرارية مع عجز عن رؤية الحلول لمشكلاته مع أن الحل موجود دائما لكنه يرى أن الانتحار هو الحل الوحيد المناسب، وكما ذكرنا من قبل أن هذا ينشأ عن الخلل المعرفي الذي يسببه الاكتئاب وفقدانه القدرة على اتخاذ قرار صحيح

يقول شاعر:

رب نفس تلفها ظلمات *** وهي في عالم كثير الضياء

فيصير المنتحر مثل دودة القز؛ تحبس نفسها وتنسج حول نفسها الشرنقة ثم تقول أن الدنيا ضيقة وظلام .. ضيق وظلام، في حين أنها هي التي حبست نفسها في داخل هذه الأوهام.

 وقد حاول الباحثون رَصْد علامات وجود التوجه الانتحاري في بعض الأشخاص ولا شك أنه ليس من السهل اكتشاف هذه العلامات طبعا الصعوبة تزداد لأن صاحب الموضوع هو المنتحر نفسه يكون قد مات فلا يمكن الاستفادة منه من المعلومات التي لديه أو أخذ معلومات منه، قال الطيب المتنبي في قصيدته التي بدأها بقوله:

 "لك يا منازل في القلوب منازل"

قال:

 وأنا الذي اجتلب المَنِيَّة طرفه *** فمن المُطَالب والقتيل القاتل

فهذا هو سر صعوبة الحصول على معلومات من المجرم القاتل؛ لأن القاتل هنا هو الذي قتل نفسه، ولكن مع ذلك حاول الباحثون رصد العلامات الإنذارية التي ممكن أن تنمو خلال فترة حضانة ثلاثة أشهر أو أكثر، مثلا هؤلاء يُرَشَّحون إلى الانتحار أكثر من غيرهم وليس معنى أن كل هؤلاء يقعون بالفعل في محاولة أو فعل أو الشروع في الانتحار ولكن هم risk factors أو مرشحون أكثر من غيرهم إذا وُجِدت العوامل التي أشرنا إليها سابقا

 مثلا:

 فوق 45 سنة الأصغر من هذا يكون الأكثر تهديدا، والأكبر من هذا السن يكون أكثر تنفيذا

- الذين يتعاطون الكحول والخمر 50% منهم مرشحون لتوجه انتحاري بالنسبة إلى عموم الناس

 - الشخص الذي بدرت منه محاولات انتحارية سابقة

 - الرجال ينتحرون أكثر من النساء

 أيضا نوبة اكتئاب جسيم ممتدة أو فقد عزيز مؤخرا، أو أي موقف متأزم

 أيضا فقد الصحة الجسمية وبخاصة في الأمراض الخطيرة كالسرطان والإيدز.

- التعطل عن العمل

 - الإحالة إلى المعاش

 - أعزب أو أرمل أو مطلق، لكن الانتحار في المتزوجين أقل

 - حالات غياب المساندة والدعم

 - حالات الفصام مع أعراض اكتئابية

 لكن أخطر العوامل التي تدل على وجود توجه انتحاري الإحساس بفقدان الأمل hopelessness أو الإحساس بقلة الحيلة helplessness

- إذا كان يصدر على الإنسان عبارات عن الرغبة في الموت

 - أيضا حالات سهولة الوصول إلى وسائل الموت كالأسلحة أو العقاقير القاتلة

- حالات الرفض أو النبذ التي تورث شعورا بالفشل

-  حالات الانسحاب الاجتماعي

 - حالات اضطراب الشخصية وبالذات الطبيعة النرجسية

 تدين يعتبر الانتحار أقل في المتدينين والمجتمعات الاسلامية هي الأقل في معدلات الانتحار مقارنة بسائر الدول النامية

 عموما هذه العلامات لا يُشْترط أن تكون موجودة مثلا في كل واحد من هؤلاء لكنهم مرشحون أكثر من غيرهم ممن ليس فيهم هذه العلامات.

 بالنسبة لانتشار الانتحار هناك ما يسمى بـ "حزام الانتحار وهي مجموعة الدول الإسكندنافية وسويسرا وألمانيا والنمسا وأوروبا الشرقية واليابان ونلاحظ أن هذه الدول مترفة جدا من ناحية دخل الفرد، لكن أغلب المنتحرين على مستوى العالم كانوا مصابين بأمراض نفسية أو عضوية يمكن فوق الـ 90% بكثير.

 وتشير الأبحاث إلى أن أقل معدلات للانتحار أو الشروع فيه توجد في الدول العربية ثم أيرلاندا.

والدراسات النفسية تؤكد أن التدين هو أقوى وأهم إجراء وقائي ضد الانتحار؛ كلما ضَعُف التدين كلما ارتفعت نسبة الانتحار؛ لأن الدين يساعد في تكامل الشخصية ويزود المرء بإطار من القيم والمعايير توجه سلوكه وتضبط تصرفاته وتعوضه عن الفشل الذي قد يمر به ويأزه على الأمل والطموح.

 أما الثقافة الغربية اللادينية فإنها توفر راحة الجسم ولا تحقق راحة النفس ولا السكينة الروحية الثقافة الغربية تنتهي بمن يتبنى مفاهيمها أن الحياة لا هدف لها ولا رسالة ولا طعم ولا معنى فيتحطم الإنسان من داخله ويمكن أن يصبح فريسة سهلة للانتحار.

 الإسلام يعني الاستسلام الحكيم للإرادة الإلهية في كل شيء ويوفر للإنسان الانسجام وليس الصراع والتناقض.

 فالبنية الإسلامية متميزة وفريدة في القضايا الإنسانية بوجه عام وفيما يخص قضية الانتحار بوجه خاص.

 فالحضارة الغربية إما أن الناس فيها ملاحدة ينكرون وجود الله ويدَّعُون أن الإنسان هو الذي خلق الله -تعالى الله عما يقول الظالمون عُلُوًا كبيرا- يعني فكرة الإله فكرة -والعياذ بالله- اخترعها الإنسان

وهناك فئة أخرى في الغربيين تقر بوجود الله لكن بشرط ألا يكون له سلطان على عباده؛ يعني له الخلق لكن ليس له الأمر، والله تعالى يقول: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف:54].

هم يقولون لا ..نحن نعترف أنه خلق لأن العقل يقول لابد من خالق فهو الإله عندهم هم وضعوا له تصور يريدون أن يفرضوه حتى على الإله الذي خلق وهو قريب جدا من تصور أرسطو لإلهه، قال أرسطو إنه إله خلق العالم ثم حركه ثم تركه وانزوى لا يعلم عنه شيئا، كملك الإنجليز يملك ولا يحكم ولا يُشَرِّع، يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْض ِإِلَهٌ }  [الزخرف:84]

هم يعترضون على من في الأرض .. في السماء إله لا بأس أما في الأرض إله يحكمنا ويحل ويحرم فهذا ما لا يقرون به.

 والمشروع الحضاري الغربي قائم على الفصل التام للدين عن الحياة؛ مستبعِدًا تماما أي صلة من الدين بالحياة ومجالاتها.

 والنبوة في المفهوم الإسلامي تُعْنى بخلاص الإنسان وهدايته وإنقاذه من ضنك الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97].

وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124].

وقال عز وجل مخاطبا آدم وحواء منذ بدء الخليقة ومنبئا إياهما بأنه سوف يستمر بعث الأنبياء لهداية الناس إلى فريق السعادة { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى -وحي- فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38].

وكما كررنا الباحث في قضية الانتحار ينطلق من خلفية فكرية وانتمائه الأيدولوجي أو العقدي، فنظريات علم النفس الغربي تنظر للإنسان على أنه كائن مادي لا أكثر، فماذا نتوقع بعد أن يقول السلوكيون مثلا جسم الإنسان هو الحقيقة الإنسانية الواحدة، وبعد أن يقول فرويد لا وجود إلا للمادة فالإنسان آلة معقدة عند المدرسة السلوكية وهو مجرد كائن غير عقلاني رهن ماضيه بلا فِكاك؛ يعني الماضي والطفولة وما حصل معه في الطفولة هو سوف يبقى في حياته لذلك يكون أسيرا لما وقع من أحداث في الطفولة، فالإنسان حصيلة هذا الماضي العميق من خلال عقله اللاواعي أو اللاشعوري عند فرويد.

لا شك أن هؤلاء سيفسرون السلوك الإنساني بصورة مختلفة عمن يخالفهم ويعارضهم كأصحاب العقيدة الإسلامية أو أصحاب الاتجاه الإنساني.

 نظرة الإسلام للطبيعة البشرية تنعكس ضرورة في تفسيره المنفرد والمتميز في سلوك الإنسان، وهي تعلو فوق تصورات وضعية التي تختزل الإنسان في أنه آلة بلا روح، أو حيوان توجهه الشهوة وتحدد مصيره.

وفي الإسلام خُلِق الإنسان لأجل عمارة الأرض كما قال تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] ولعبادة الله {إِلَّا لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56]، وخلافته {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:129]،

 وللبلاء {إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان:2]أي نمتحنه ونختبره

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2].

 فالإنسان جسد من طين وروح من أمر الله {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر:29].

 والطبيعة الطينية للإنسان تورثه صفات الاستعجال والشُّح والأنانية والعُجْب والفرح واليأس والهلع والخصومة، ثم هو يتكون أيضا من روح من أمر الله {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص:29].

هذه الطبيعة الروحية هي التي تربطه بخالقه وهي التي تهدد الطبيعة الطينية والإنسان هو الإنسان سيد الكائنات الأرضية جميعا، لم يكن ملاكا ثم انحط درجة، ولم يكن حيوانا ثم ارتقى بالتطور المزعوم درجة.

 

فيا من يفكر أو يُخَطِّط أو يحاول الانتحار:

 لا تيأس من روح الله .. الله غفور رحيم تفاءل .. وأبشر بالفرج القريب العاجل

 التصق بالقرآن الكريم

وافزع إلى قراءته آناء الليل وأطراف النهار

 أَدْمِن ذكر الله تعالى

 اتهم نفسك بأنها في حالة تجعلك غير مؤهل لاتخاذ قرار خطير يدفعك إلى الاعتداء على حق الله وانفراده عز وجل به، قرار يفوت فرصتك في الحياة ويجلب لك الشقاء

 تشبث بنعمة الحياة ولا تكفرها

وتسلح بالأمل

 وليكن اختيارك الوحيد في هذا الموقف العصيب هو اختيار الحياة بأن ترفع شعارا رفعه الشاعر وهو يحرضك على التشبث بنعمة الحياة، وهو يقول:

"سوف أحيا"

 يقول الشاعر:

لم لا أحيا وظل الورد يحيا في الشفاه

ونشيد البـلـبـل الشادي حياة لهواه

لم لا أحيا وفي قلبي وفي عيني الحياة

سوف أحيا  

يا رفيقي نحن من نور إلى نور مضينا

ومع النجم ذهـبنا ومع الشمس أتينـا

أين ما يُدْعَى ظلاماً، يارفيق الليل أينَ

إنَّ نـور الله في القلب وهـذا ما أراه

سوف أحيا  

ليس سـرًا يا رفـيقي أن أيامي قليلـة

ليس سـرًا إنما الأيــام بسمات طويلة

إن أردت السِّرَّ فاسأل عنه أزهار الخميلة

عـمرها يوم وتحيا اليوم حتى منتهـاه

سوف أحيا.. سوف أحيا

-إن شاء الله-

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 

تحميل 0.07 MB