٧ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨

6- كيف نفهم السلوك الانتحاري

 

 

إن محور الحياة الروحية هو القلب الذي يربط بين المعرفة والسلوك، وبين الاعتقاد والإرادة.

والإنسان متعدد الأبعاد؛ فهو جسم، ثم نفس وعقل ووجدان، ثم بُعْد اجتماعي ثم بُعد روحي.

الجسم هو الوعاء عبارة عن بِنْية مادية عضوية فسيولوجية، ثم النفس والعقل والوجدان، وهذا العقل هو الدليل، ثم البُعْد الاجتماعي، ثم البُعْد الروحي وهو الحارس الأمين الذي يربطه بربه وإلهه عز وجل.

 

لا شك أن نظرة الأمم إلى جريمة الانتحار تختلف باختلاف ثقافات هذه الأمم في موقفها من الانتحار بل في موقفها من قيمة الإنسان، وقيمة حياته وحدوده، وأين يقف به الخط الأحمر في اعتدائه على هذه الحياة.

فهناك ثقافات تُحَرِّم الانتحار تحريمًا قاطعًا، وللأسف هناك ثقاقات تحتفي به وتتسامح معه.

الانتحار أحيانا يرتبط بالثقافة السائدة في المجتمع والأيدلوجية التي يعتنقها الإنسان، والتي تحدد تصوره لطبيعة الحياة والإنسان والمجتمع والكون.

وهذه العقيدة كما قلنا هي التي تُحَدد نظرته إلى هذا الفعل.

 الحياة عند الملحدين تُخْتَصر في كونها "أرحام تدفع وأرض تبلع"؛ أرحام تدفع المولودين، ثم بعد ذلك أرض تبلع، ثم تنتهي الرحلة تماما بالعدم والموت، أما عند المسلمين فالحياة رحلة تمتد طويلا طويلا إلى ما بعد الموت، بل إلى الحياة الخالدة في المصير النهائي الأبدي.

المؤمن إذا ابتُلِي بأي نوع من البلاء فإنه يصبر ابتغاء وجه الله، ورجاء ثواب الله عز وجل على هذا الصبر، ولذلك مثلا لو فُرِض أن إنسانا مات شخص عزيز عليه كأبيه أوأمه أوابنه.. إلخ فإن مما يُخفف عنه ألم المصاب وجود الأمل في أن يلتقي به في الجنة؛ فوجود هذا الأمل يواسيه ويخفف مصابه.

 مما خَفَّف على فاطمة رضي الله تعالى عنها حزنها على أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لها "إنك أول أهلي لحوقا بي، فضحكت" "إنك أول أهلي لحوقا بي، فضحكت"

فهذا خَفَّف عنها هذا المصاب لأن في أمل في الالتقاء قريبا.

 كذلك لمَّا حَزِن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفاة ابنه إبراهيم قال "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول لوجَدْنا عليك يا إبرهيم وَجْدًا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"

 فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول" يعني هناك أمل في الالتقاء فيما بعد، فالعزيز الذي يفقده المسلم سوف يجتمع به في الآخرة وفي الجنة بشرطه، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} [الطور:21]

فهذا هو الشرط أن يتتابع الجميع على الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

 نعود إلى السلوك الانتحاري فنقول إنه سلوك بشع تكونت أسبابه في المجتمع بل في الأسرة بدون اكتراث ولا مبالاة، والانتحار ظاهرة متعددة الأبعاد فهي لها علاقة  بالأبعاد الدينية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية والطبيعية والقانونية والفلسفية والاقتصادية والسياسية، ولذلك تتعدد العلوم التي تتعامل مع قضية الانتحار علم الاجتماع علم النفس علم الإجرام علم القانون، السياس،ة الطب، التربية إلى آخره.

 واهتمام العلماء بجوانب الانتحار كل حسب تخصصه أسفر عن مولد علم جديد ومستقل بذاته هو علم الانتحار suicidology.

 أول دراسة رائدة لمشكلة الانتحار في العالم العربي كانت دراسة مكرم سمعان سنة 1959 ونشرت سنة 1964 في مدينة القاهرة

 تضمنت إحصائيات بالغة الأهمية والإثارة وكانت أساسًا لكل من بحث المسألة بعده.

 بقي الانتحار مجرد سلوك فردي يَصدر عن فئة خاصة أو في مواقف خاصة مما ينبه عليه أيضا أن السلوك الانتحاري قاصر على الإنسان؛ فالإنسان هو المخلوق الوحيد من بين الكائنات الحية الذي ينتحر بصفة إرادية، نعم هناك بعض الحيوانات تدمر نفسها ولكن ذلك يكون عفويا أو خطئا غريزيا.

 في الانتحار تتصارع غريزتان؛ غريزة الحياة وهي حب البقاء والخلود التي حاول إبليس بها أن يُغري آدم {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [طه:120]

أيضا هذه الغريزة حب البقاء والخلود هي التي تدفع الإنسان إلى التملك والتفوق والانتاج والنجاح، أما عند المنتحر فتتغلب الغريزة المضادة القابعة في الظل والرابضة في الأعماق وتتحرك نحو تدمير كل مظاهر الحياة فيها.

 

أصعب ما في الانتحار أن القاتل والمقتول شخص واحد دائما، القاتل هو المقتول؛ لأنه يقتل نفسه، فالمنتحر تتنازعه قوتان معا؛ قوة القاتل وقوة القتيل فيحوِّل بإرادته قدرته على الفعل إلى تدمير ذاته، وهدم كيانه، وإعدام وجوده فالقاتل كما قلنا هو نفسه القتيل، فلذلك يستحق المنتحر بامتياز وجدارة أن يوصف بأنه "عدو نفسه"؛ لأنه قاتل نفسه.

 أما إذا وُجِد للموت سبب آخر فإن هذا ينفي صفة الانتحار كسبب عضوي أصيب بمرض خطير كالسرطان مثلا أو غيره فتنتفي صفة الانتحار بذلك، فهذه هي قمة المأساة في الانتحار، أن القاتل هو نفسه المقتول عدو نفسه كما بينا.

 

 والانتحار ليس مجرد حدث عشوائي، ولا يولد السلوك الانتحاري لحظة محاولته أو تنفيذه الفعلي وإنما يكون رابضا كخيار في طبقات الواعرة إلى أن يطفو على السطح وينشط في ظروف معينة ليراه الخيار الوحيد في تلك اللحظة على أنه أفضل حل متاح.

إذن الانتحار عبارة عن منظومة فكرية ووجدانية وسلوكية تشكلها عوامل عِدة.

 

 أيضا الانتحار مشكلة اجتماعية، وسلوك مرفوض اجتماعيا ولا يتسامح معه المجتمع.

 أيضا من مظاهر الانتحار أنه أحيانا يكون عملا عِدائيا موجه إلى الأسرة أو الجيرة أو المجتمع أو الإنسانية؛ لأن أحيانا المنتحر يقدم على الانتحار وهو يعتقد أن عمله هذا سوف يجلب الندم والحزن لهؤلاء الآخرين الذين آذوه فهو يقصد أن يجعلهم يندمون على الأمر الذي أوصله للانتحار.

 

 بالنسبة للسلوك الإنساني كيف يتحول الفكر والإرادة إلى فِعل؛ يعني السلوك الإنساني عبارة عن فكر وإرادة، والفكر هو القصد والنية، والفكر يُوَلِّد إرادة، ثم بعد ذلك الإرادة تُوَلِّد ممارسة عملية في الفِعل، فنقول هذا لأن أي مواجهة للسلوك الانتحاري لا بد أن تتعامل مع هذه الدوائر الثلاث: الفكر، النية ثم الإرادة، ثم الإرادة هي التي تولد فعل الانتحار.

 تذكر منظمة الصحة العالمية أن هناك أربعين ومائة سبب ممكن للوفاة، لكن أهم ثلاثة أسباب منها أولا: الموت الطبيعي الذي يأتي قضاء وقدرا، ثم الانتحار، ثم القتل (قتل الآخرين).

 والسلوك الانتحاري التدميري عبارة عن فكرة تتحول إلى تنفيذ، وكما ذكرنا أن السلوك الانتحاري يشمل محاولات الانتحار، ويشمل الانتحار المكتمل، ويشمل أيضا التهديد بالانتحار.

 وظاهرة الانتحار تعكس الفشل في التكيف مع المعايير الاجتماعية التي ارتضاها المجتمع، وعدم تقبل الأفراد للنظام الاجتماعي القائم.

وبعض المفكرين والفلاسفة الذين لا نصيب لهم في الإيمان يفضلون الانتحار باعتباره حلا لمأساءة الوجود كما يزعمون.


موقع الشيخ محمد إسماعيل المقدم

www.almukaddem.com

تحميل 0.05 MB