١٠ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨

الفقه الميسر

كتاب الصلاة

(الباب من المسألة الثامنة إلى الباب السابع المسألة الخامسة)


الحمد لله رب العالمين

الرحمن الرحيم

مالك يوم الدين

والعاقبة للمتقين

ولا عدوان إلا على الظالمين..

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له..

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..

اللهم صلي على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد..

أما بعد..

انتهينا إلى الكلام في المسألة الثامنة:

*ما يكره في الصلاة..

..يقول: يُكرَه في الصلاة الأمور التالية:

أولا: الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأوليين.

لمخالفة ذلك لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهديه في الصلاة..

-يعني هو وإن كانت تصح الصلاة بذلك، لكن هذا مكروه لاستحباب تلاوة القرآن بعد الفاتحة.

أو تلاوة ما تيسر من القرآن..

ثانيا: تكرار الفاتحة:

لمخالفة ذلك أيضا لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

..لكن إن كررها لحاجة، كأن يكون فاته الخشوع وحضور القلب عند قراءتها فأراد تكرارها ليحضر قلبه، فلا بأس بذلك، لكن بشرط ألا يجره ذلك إلى الوسواس.

-والوسواس لا يُجر: الوسواس تكون مشكلة موجودة أصلا، لكنه يتعلق بأي حاجة يوسوس فيها..

لكن متى ما أتت فرصة نفصل في موضوع الوسواس لأنها مشكلة ضخمة عند كثير من الناس، ولا يفهمون الفرق بين الوسواس المرضي الذي هو الأفعال القهرية، وبين الوسوسة العادية التي تأتي للناس العادية.

فدائما في الفقه لما يتكلمون في الوسواس يقصدون الوضع العادي الذي لا يخلو منه إنسان.

أما الوسواس كمرض فهذه مشكلة كبيرة لأن لابد من تعاطي علاج، لابد من تعاطي الدواء.

والموسوس لا يُفتى: لما يسأل لا يُجاوب سؤاله، وإلا سندخل معه في دخان النار.

لكن جواب سؤال الموسوس، إنه يتعاطى أدوية وبعد أن يتحسن نبدأ نجيب أسئلته.

ثالثا: يكره الالتفات اليسير في الصلاة بلا حاجة:

لقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الالتفات في الصلاة: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".

والاختلاس: السرقة والنهب.

أما إذا كان الالتفات لحاجة فلا بأس بها، كمن احتاج إلى أن يتفل عن يساره في الصلاة ثلاثا إذا أصابه الوسواس.

فهذا التفات لحاجة أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وكمن خافت على صبيها الضياع فصارت تلتفت في الصلاة ملاحظة له.

هذا كله في الالتفات اليسير.

-الذي غالبا يكون بالعين.

..أما إذا التفت الشخص بكليته أو استدبر القبلة فإن صلاته تبطل. إذا كان ذلك من غير عذر من شدة خوف ونحوه.

رابعا: تغميض العينين في الصلاة:

لأن ذلك يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران.

وقيل يشبه فعل اليهود أيضا وقد نهينا عن التشبه بالكفار.

-طبعا إلا إذا كان حول الإنسان ما يشوش عليه في الصلاة، فهو يغمض عينيه، لأن فتحها يؤثر في الخشوع بكثرة المشوشات من حوله.

خامسا: افتراش الذراعين في السجود:

لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب".

فينبغي للمصلي أن يجافي بين ذراعيه ويرفعهما عن الأرض ولا يتشبه بالحيوان.

 

سادسا: كثرة العبث في الصلاة:

لما فيه من انشغال القلب المنافي للخشوع المطلوب في الصلاة.

سابعا: التخصر:

لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "نُهي أن يصلي الرجل مختصرا".

والتخصر والاختصار في الصلاة: وضع الرجل يده على الخصر والخاصرة، وهي وسط الإنسان المستدق فوق الوركين.

وقد عللت عائشة رضي الله تعالى عنها الكراهة بأن "اليهود تفعله".

ثامنا: السدل وتغطية الفم في الصلاة:

لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه".

..والسدل: أن يطرح المصلي الثوب على كتفيه ولا يرد طرفيه على الكتفين.

وقيل: هو إرسال الثوب حتى يصيب الأرض فيكون بمعنى الإسدال.

..إذاً السدل: أن يلتحف الرجل بثوبه ويدخل يديه من داخل، كأنك مثلا ارتديت مثل هذا القميص لكن لم تدخل الذراعين مثلا في الكم.

فهو التحف به ويداه داخل الثوب.

فالسدل: أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك.

وكانت اليهود تفعله فنهوا عنه.

وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب.

وقيل هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يحملهما على كتفيه.

تاسعا: مسابقة الإمام:

لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار".

-مسابقة الإمام في حركات الصلاة فيها هذا الوعيد، الوعيد بأن يُمسخ إلى حمار، وذلك تنفيرا من هذا الفعل. وعلاج التعجل في الصلاة، الذي يجعل المأموم يسابق الإمام أن يتذكر أنه مهما سبق الإمام فإنه لا يستطيع الخروج من الصلاة إلا بعد أن يُسَلِّم. فهو في كل الأحوال ملزم بمتابعة الإمام.

فدواءه أن يعلم أن لا جدوى من المسابقة، لأنه ملتزم بمتابعته إلى أن يسلم. واضح؟

عاشرا: تشبيك الأصابع:

"لنهيه صلى الله عليه وآله وسلم من توضأ وأتى المسجد يريد الصلاة عن فعل ذلك".

فكراهته في الصلاة من باب أولى.

والتشبيك بين الأصابع: إدخال بعضها في بعض.

-إدخال بعضها في بعض: وهذا المقصود به: كراهة التشبيك داخل الصلاة، وأما التشبيك خارج الصلاة فلا كراهة فيه ولو كان في المسجد لفعله صلى الله عليه وسلم إياه في قصة ذي اليدين.

وستأتي إن شاء الله تعالى في سجود السهو.

حادي عشر: كف الشعر والثوب:

لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف ثوبه ولا شعره".

والحديث متفق عليه.

..كف الشعر أو كفت الشعر أو الثوب هو: الضم، أي التشمير.

فالكف قد يكون بمعنى الجمع.

أي لا يجمعهما ولا يضمهما..

وقد يكون بمعنى المنع: يعني لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود. وكله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة.

-إذا لا ينبغي للإنسان أن يصلي وهو مشمر ثيابه، لأن هذا من معناه الكفت أو الكف. أو يشمر السروال. يشمر قبل الصلاة هذا تكلف.

واضح؟

أو يكون المعنى الجمع، جمع الثوب مثلا: كأنه إذا أراد أن يركع فيضم الثوبين حتى يضيق عليه الثوب. فهذا يتسبب في أنه في حالة السجود لضيق الثوب فإنه يصف الجسد.

كذلك الشعر: ربما من صورته أن يكون شعره طويلا، فليدع الشعر يسجد معه. يسجد على الأرض. فالنهي هنا عن ضمه حيث طبعا هذا في حق الرجل، فلا يجمعه ولا يضمه بل يتركه يسجد معه.

ثاني عشر: الصلاة في حضرة الطعام أو وهو يدافع الأخبثين:

لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان".

أما كراهة الصلاة في حضرة الطعام فذلك مشروط بتوقان نفسه إليه ورغبته فيه مع قدرته على تناوله وكونه حاضرا بين يديه.

- يعني بمعنى أنه يكره الإنسان إذا حضر الطعام بين يديه أمامه.

الطعام حضر بين يديه، ثم هو جوعان ونفسه تتوق إلى هذا الطعام ويرغب فيه، ولا يوجد مانع من الأكل. مانع مثل أن يكون الأكل ساخنا جدا مثلا، فلا شك أن السخونة سوف تعيقه. ففي هذه الحالة هذه هي الشروط.

فكراهة الصلاة بحضرة الطعام ذلك مشروط بتوقان نفسه إليه ورغبته فيه مع قدرته على تناوله وكونه حاضرا بين يديه.

فلو كان الطعام حاضرا ولكنه صائم أو شبعان لا يشتهيه أو لا يستطيع تناوله لشدة حرارته ففي ذلك كله لا يكره له الصلاة بحضرته.

..وأما الأخبثان: فهما البول والغائط.

وقد نهي عن ذلك كله لما فيه من انشغال قلب المصلي وتشتت فكره، مما ينافي الخشوع في الصلاة، وقد يتضرر بحبس البول والغائط ومدافعتهما.

ثالث عشر: رفع البصر إلى السماء:

لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم".

**المسألة التاسعة:

حكم تارك الصلاة:

من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها فهو كافر مرتد لأنه مكذب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.

أما من تركها تهاونا وكسلا، فالصحيح أنه: كافر إذا كان تاركا لها دائما وبالكلية.

لقوله تعالى عن المشركين: {  فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ .. } [ التوبة/11]

فدل على أنهم إن لم يحققوا شرط إقامة الصلاة فليسوا بمسلمين.

ولا إخوة لنا في الدين.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".

ووقوله صلى الله عليه وسلم: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".

أما من كان يصلي أحيانا ويترك أحيانا أو يصلي فرضا أو فرضين فالظاهر أنه لا يُكفَّر لأنه لم يتركها بالكلية كما هو نص الحديث "من ترك الصلاة".

فهذا ترك صلاة لا الصلاة.

والأصل بقاء الإسلام فلا نخرجه منه إلا بيقين، فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين.

-فذكر هنا حكم تارك الصلاة، ولا شك أن هذه القضية من المعارك من القضايا الكبيرة التي تستحق أن تُستوفى في بحث مستقل.

..لكن خلاصة الكلام في هذه المسألة:

أن لتارك الصلاة حالين: إما أن يتركها جحودا لفرضيتها.

أو تهاونا وكسلا لا جحودا.

فأما الحالة الأولى فقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة جحودا لفرضيتها كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل كفرا كجاحد كل معلوم من الدين بالضرورة.

ومثل ذلك ما لو جحد ركنا أو شرطا مجمعا عليه..

واستثنى الشافعية والحنابلة من ذلك من أنكرها جاهلا لقرب عهده بالإسلام أو نحوه، فليس مرتدا. بل يُعرَّف الوجوب فإن عاد بعد ذلك صار مرتدا.

وأما الحالة الثانية: فقد اختلف الفقهاء فيها، وهي ترك الصلاة تهاونا وكسلا لا جحودا.

فذهب المالكية والشافعية إلى أنه يُقتل حدا.

-حدا يعني: أن حكمه بعد الموت، حكم المسلم فيُغسَّل ويُصلى عليه ويُدفن مع المسلمين ويورث إلى آخر هذه الأحكام.

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".

ولأنه تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال: { .. فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ .. } [ التوبة/5]

وقال صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة".

فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة، فدخوله تحت المشيئة يدل على أصل إسلامه.

وذهب الحنفية إلى أن تارك الصلاة تكاسلا عمدا فاسق لا يُقتل بل يعذَّر أو يُحبس حتى يموت أو يتوب.

وذهب الحنابلة إلى أن تارك الصلاة تكاسلا يُدعى إلى فعلها ويقال له: إن صليت وإلا قتلناك. فإن صلى وإلا وجب قتله.

ولا يقتل حتى يُحبس ثلاثا ويدعى في وقت كل صلاة فإن صلى وإلا قتل حدا وقيل كفرا.

أي لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، لكن لا يرق ولا يسبى له أهل ولا ولد كسائر المرتدين. لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".

وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تركها فقد كفر".

وروي مرفوعا: "من ترك الصلاة متعمدا فقد خرج من الملة".

وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء، ولأنه يدخل بفعلها في الإسلام فيخرج بتركها منه كالشهادتين.

وقال عمر رضي الله تعالى عنه: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" وكذا عندهم لو ترك ركنا أو شرطا مجمعا عليه كالطهارة والركوع والسجود ولا يُقتل بترك صلاة فائتة.

-لا يتسع المجال للتفصيل لأن القضية من المعارك الفقهية الكبيرة.

فنكتفي بهذه الإشارة.

لكن مع العوام، عوام الناس الذين يشيع فيهم إهمال الصلاة وترك الصلاة، لا ينبغي أن يناقش مسألة الكفر في الأحاديث هل هو كفر أكبر أم هو كفر دون كفر. وإنما تترك النصوص تعمل عملها في قلبهم بدون أن نفصل. أن نصف تارك الصلاة بالكفر ونترك النصوص على ظاهرها، أما التفاصيل فهي في مجالس العلم وفي طلب العلم. لأن هذا يضر العوام، يطمئنون، تقول له: لا ما يهمك أن تترك الصلاة أنت لا زلت مسلما.

فهذا مع أن الخلاف في المسألة خلاف صعب جدا، لأنه على الأقل تارك الصلاة بإجماع المسلمين أكبر وزرا وأشد إثما من قاتل النفس والزاني وشارب الخمر والمرابي وكل هذه الكبائر ترك الصلاة أشد منها.

على قول من لا يكفره، فما بالك بمن يعده كافرا.

**الباب الخامس: في صلاة التطوع:**

وفيه مسائل:

والمراد بالتطوع: بتطوع كل طاعة ليست بواجبة.

أما فضلها:

التطوع بالصلاة: من أفضل الكربات بعد الجهاد في سبيل الله وطلب العلم. لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على التقرب إلى ربه بنوافل الصلوات.

ولحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..".

أما الحكمة من مشروعيتها:

فقد شرع الله سبحانه وتعالى التطوع رحمة بعباده فجعل لكل فرض تطوعا من جنسه.

ليزداد المؤمن إيمانا ورفعة في الدرجات بفعل هذا التطوع، ولتكمل الفرائض وتجبر يوم القيامة بهذا التطوع.

فإن الفرائض يعتريها النقص، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول مايحاسب به العبد المسلم يوم القيامة الصلاة، فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك".

-طبعا باب الترغيب في الأعمال الصالحة أو النوافل عموما والترغيب فيها سواءا فرائض أو نوافل يُنصح هنا بقراءة ومدارسة كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" للعلامة الألباني رحمه الله تعالى.

أما أقسام التطوع:

فصلاة التطوع على نوعين:

النوع الأول: صلوات مؤقتة بأوقات معينة: وتسمى بالنوافل المقيدة.

وهذه منها ما هو تابع للفرائض كالسنن الرواتب ومنها ما ليست بتابع كصلاة الوتر والضحى والكسوف.

النوع الثاني: صلوات غير مؤقتة في أوقات معينة، وتسمى بالنوافل المطلقة.

والنوع الأول: أنواع متعددة بعضها آكد من بعض.

وآكد أنواعه -يعني التي هي النوافل المقيدة- آكدها صلاة الكسوف ثم الوتر ثم صلاة الاستسقاء ثم صلاة التراويح.

وأما النوع الثاني: فيشرع في الليل كله وفي النهار ما عدا أوقات النهي، وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار.

*المسألة الثالثة:

ما تسن له الجماعة من صلاة التطوع:

تسن صلاة الجماعة للتراويح، والاستسقاء والكسوف.

*المسألة الرابعة: في عدد الرواتب:

والرواتب: جمع راتبة، وهي الدائمة المستمرة.

وهي التابعة للفرائض.

وفائدة هذه الرواتب.

أنها تجبر الخلل والنقص الذي يقع في الفرائض كما مضى بيانه.

وعدد الرواتب عشر ركعات.

وهي المذكورة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الغداة كانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها. فحدثتني حفصة: إنه كان إذا طلع الفجر وأذن المؤذن صلى ركعتين".

- طبعا إذاً من هذه الرواتب ركعتان بعد صلاة العشاء.

فبعد صلاة العشاء هناك سنة العشاء البعدية.

وهي هاتان الركعتان، وهذه منفصلة تماما عن صلاة ماذا؟

الوتر، لأن هاتان الركعتان تابعة للفريضة كسائر الرواتب.

تابعة للفريضة.

لكن الوتر هذه شيء مستقل تماما عن ماذا؟

سنة العشاء البعدية، التي هي ركعتان. هذه من الرواتب.

..ويتأكد للمسلم أن يحافظ على ثنتي عشرة ركعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة إلا بنى الله له بيتا" أو "..إلا بُني له بيت في الجنة".

وهي العشر المذكورة سابقا، إلا أنه يكون قبل الظهر أربع ركعات. فقد زاد الترمذي في رواية حديث أم حبيبة الماضي: "أربع قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر".

ولما ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعا قبل الظهر".

وآكد هذه الرواتب ركعتا الفجر. وهما سنة الفجر القبلية، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".

ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها عن هاتين الركعتين: "ولم يكن يدعهما أبدا".

وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "لا تتركوهما وإن طردتكم -أو طاردتكم- الخيل".

*المسألة الخامسة:

حكم الوتر وفضله ووقته:

أما حكمه: فالوتر سنة مؤكدة حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله وتر يحب الوتر".

وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر".

ووقتهما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر لإجماع العلماء لفعله صلى الله عليه وسلم ولقوله: "إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: صلاة الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر".

فإذا طلع الفجر فلا وتر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".

فهذا دليل على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر.

قال الحافظ ابن حجر: وأصرح منه -يعني في الدلالة- ما رواه أبو داود والنسائي وصححه أبو عوانة وغيره، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول: "من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك. فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر".

وصلاة الوتر آخر الليل أفضل منه في أوله، لكن يستحب تعجيله أول الليل لمن ظن أنه لا يقوم آخر الليل.

وتأخيره لمن ظن أنه يقوم آخر الليل

لما رواه جابر رضي الله تعالى عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل. فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل".

*المسألة السادسة:

صفة الوتر وعدد ركعاته:

الوتر: أقله ركعة واحدة.

لحديث ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم مرفوعا: "الوتر ركعة من آخر الليل" ولحديث ابن عمر الماضي قريبا: "صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى".

ويجوز الوتر بثلاث ركعات لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم يصلي ثلاثا".

وتجوز هذه الثلاث بسلامين..

-يعني يصلي ركعتين ثم ركعة واحدة.

وهي الناس تسميها الشفع والوتر.

وهي شفع باعتبار ماذا؟

أنها زوج يعني..

لكن هي كلها وتر..

واضح؟

ليس هناك أصلا صلاة اسمها الشفع، هذه صفة، صفة لصلاة زوجية، لكن صلاة الوتر (واحد أو ثلاثة أو غيرها)..

..فتجوز هذه الثلاث بسلامين، لأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "كان يسلم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته".

وتجوز سردا بتشهد واحد وسلام واحد.

لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن"

..ولا تصلى بتشهدين وسلام واحد حتى لا تشبه صلاة المغرب. وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك..

ويجوز الوتر بسبع ركعات وبخمس لا يجلس إلا في آخرها، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها".

ولحديث أم سلمة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم ولا كلام".

*المسألة السابعة:

الأوقات المنهي عن النافلة فيها:

هناك أوقات نهي عن صلاة التطوع فيها إلا ما استثني:

وهي أوقات خمسة:

الأول: من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس".

الثاني: من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين، وهو قدر متر تقريبا، ويقدر بالوقت بحوالي ربع الساعة أو ثلثها، فإذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح، فقد انتهى وقت النهي.

لقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن عبسة: "صلي صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع".

ولحديث عقبة بن عامر الآتي..

الثالث: عند قيام الشمس:

-يعني المقصود: منتهى ارتفاع الشمس، لأن الشمس ترتفع في الأفق فإذا انتهت بدأت بالانخفاض.

يعني أعلى ما تصل إليه الشمس في السماء.

..عند قيام الشمس..

-طبعا ارتفاعها هذا، منتهى الارتفاع لما ... علام..ماذا؟ ألا يوجد ظل. لا يوجد ظل للأشياء. (الدقيقة 27.34).

-الظل الذي يكون عند القدم.

..عند قيام الشمس حتى تزول إلى جهة الغرب ويدخل وقت الظهر.

لحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: "ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيَّف للغروب حتى تغرب".

ومعنى تتضيَّف للغروب: تميل للغروب.

الوقت الرابع من أوقات الكراهة: من صلاة العصر إلى غروب الشمس.

-طبعا إلى غروب الشمس المقصود: إلى شروعها في الغروب.

..لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".

الوقت الخامس: إذا شرعت في الغروب حتى تغيب.

كما تقدم في الحديث.

فتكون هذه الأوقات الخمسة محصورة في ثلاثة أوقات وهي:

*من بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قدر رمح.

*وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس.

*ومن بعد صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس.

..أما حكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار يعبدون الشمس عند طلوعها، وعند غروبها.

فتكون صلاة المسلم في تلك الأوقات فيها، مشابهة لهم.

ففي حديث عمرو بن عبسة: "..فإنها -أي الشمس- تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار".

وقال أيضا: "..فإنها تغرب حين تغرب بين قرني شيطان وحينئذٍ يسجد لها الكفار".

..هذا عن وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، وأما عن وقت ارتفاعها وقيام قائم الظهيرة، فقد بين صلى الله عليه وسلم علة النهي في الحديث السابق نفسه فقال: "..فإنها حينئذٍ تسجر جهنم".

فلا تجوز صلاة تطوع في هذه الأوقات إلا ما ورد الدليل باستثنائه كركعتي الطواف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار".

وكذا قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، يمكن أن يقضي الإنسان سنة الفجر بعد صلاة ماذا؟ الفجر.

أو ممكن أن يؤجل ذلك إلى ما بعد الشروق.

..وقضاء سنة الظهر بعد العصر لا سيما إذا جمع الظهر مع العصر.

وكذلك فعل ذوات الأسباب من الصلوات كصلاة الجنازة وتحية المسجد وصلاة الكسوف..

كذلك قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".

ولأن الفرائض دين واجب الأداء فتؤدى متى ذكرها الإنسان..

- ..أن يصبح هذا هو وقتها في حقه.

**الباب السادس: في سجود السهو والتلاوة والشكر**

وفيه مسائل..

-طبعا السهو هو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه.

هذا لغة.

أما اصطلاحا: فهما سجدتان يسجدهما المصلي قبل السلام أو بعده.

وهو جالس لسهو في الصلاة، سواء كان في الصلاة فرضا أو نفلا.

-سواء كان السهو في الفرض أو في النافلة وهذا هو مذهب الجمهور.

أما دليل مذهب الجمهور على وجوب سجود السهو في صلاة التطوع..

إذا كان المسهو عنه واجبا.

والإمام البخاري بوَّب في صحيحه قال: باب السهو في الفرض والتطوع.

باب السهو في الفرض والتطوع.

والحديث الذي يستدل به هنا:

حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل سهو سجدتان بعدما يسلِّم".

وهذا رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي والإمام أحمد وحسنه الألباني..

قال القاضي عبد الوهاب: ليس بعد (كل) -في كلام  العرب- كلمة أعم منها.

-أعظم صيغة تفيد العموم.

ليس بعد (كل) في كلام العرب كلمة أعم منها.

واستدلوا هنا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لكل سهو سجدتان بعدما يسلم".

وفي الحديث: "إذا قام أحدكم ليصلي جاء الشيطان فلبسَّ عليه".

فكلمة: "إذا قام أحدكم ليصلي.." صيغة عامة، لم تقيد الفرض. لم تقيد بالفرض وإنما تعم أيضا النافلة.

ويقول سعيد بن المسيب: سجدتا السهو في النوافل كسجدتا السهو في المكتوبة.

وقال أبو داود في مسائله: رأيت أحمد غير مرة يسجد في التطوع سجدتي السهو.

..يقول:

*المسألة الأولى: في مشروعية سجود السهو وأسبابه:

المراد به: السجود المطلوب في آخر الصلاة جبرا لنقص فيها أو زيادة أوشك.

وسجود السهو مشروع.

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين".

ولفعله صلى الله عليه وسلم كما يأتي بيانه.

وقد أجمع أهل العلم على مشروعية سجود السهو.

-هو طبعا: كلمة المشروع تكون أعم من .. هذا القدر المتفق عليه.

لكن يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: قد اجتمع في مشروعية سجود السهو -أقواله وأفعاله- ما هو بصيغة الأمر. فكان هذا واجبا.

..الدقيقة _34.00) أنه حيثما جاء في واقعة معينة السجود بصيغة الأمر فسجود السهو يكون واجبا.

ولكن إذا كان المتروك سنة من السنن التي ليست بواجبة فالسجود لها مسنون، لأن الفرع لا يزيد على أصله.

*أما حكمة تشريع سجود السهو: فقد شرع جبرا للصلاة وإتماما لها وترغيما للشيطان.

وقد سماهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "المرغمتين".

كما رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان، وفيه راو ضعيف، لكن يشهد له حديث أبي سعيد "فكانت السجدتان مرغمتي الشيطان" هذا رواه مسلم.

مرغمتي الشيطان.

-يعني تغيظان الشيطان، لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله -وفي رواية: يا ويلي- أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود فأبيت فلي النار" وهذا رواه مسلم.

*أسباب سجود السهو:

ثلاث: الزيادة. النقص. الشك. في الصلاة.

لكن لا يشرع سجود السهو لمن ترك ركنا أو واجبا أو سنة متعمدا.

-وإلا لا يكون سهوا.

فلابد أن يكون هناك سهو.

لكن لو واحد ترك واجبا أو ركنا أو سنة متعمدا فلا يشرع له سجود السهو.

هذه قضية أخرى.

..وينبغي على المصلي ألا يخرج من صلاته حتى يطمئن ويعلم أنه قد أتمها على أحسن وجه.

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج المرء من صلاته وهو شاك فيها، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "ولا غرار في صلاة ولا تسليم".

"ولا غرار في صلاة ولا تسليم".

والغرار: في الصلاة هو النقصان في ركوعها وسجودها وطهورها.

قال أبو دادو: قال أحمد: ويغرر الرجل في صلاته فينصرف وهو فيها شاك.

-فإذا انصرف وهو شاك فهذا هو التغرير، أو انقاص للصلاة.

..وروى الإمام أحمد عن سفيان قال: "سمعت أبي يقول: سألت أبا عمرو الشيباني عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إغرار في الصلاة" فقال: إنما هو "لا غرار في الصلاة" ومعنى غرار، يقول: لا يخرج منها وهو يظن أنه قد بقي عليه منها شيء حتى يكون على اليقين والكمال".

*المسألة الثانية:

متى يجب؟

يجب سجود السهو لما يأتي:

أولا: إذا زاد فعلا من جنس الصلاة: كأن يزيد ركوعا أو سجودا، أو قياما أو قعودا.

ولو قدر جِلسة الاستراحة. لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: "صلى بنا الرسول صلى الله عليه وسلم خمسا ..".

-يعني في صلاة رباعية.

.."..فلما انفتل من الصلاة توشوش القوم بينهم..".

-ويقال: توسوس. والتوشوش: هو صوت اختلاط.

"..فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة شيء؟ قال: لا. قالوا: فإنك صليت خمسا. فانفتل -أي انصرف- ورجع إلى القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم. ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أُنَسَّى كما تنسون -أو أَنسى كما تنسون- فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين".

-فالله سبحانه وتعالى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهو في الصلاة ليعلمنا ويشرع لنا هذه الأحكام.

نلاحظ هنا قال: "..فسجد سجدتين ثم سلم.." هذه يرجح مذهب من قال: لا تشهد في سجود السهو.

لأنه قال: "..فسجد سجدتين ثم سلم.." ولم يذكر تشهدا.

فإذا علم بالزيادة وهو في الصلاة.

-إذا علم بأن هذه هي الركعة الخامسة مثلا وهو داخل الصلاة. فالناس سبحوا له، فهو علم أن هذه زيادة..

..وجب عليه الجلوس حال علمه، حتى لو كان في أثناء الركوع. لأنه لو استمر في الزيادة مع علمه لزاد في الصلاة شيئا عمدا وهذا لا يجوز.

الحالة الثانية: إذا سلم قبل إتمام صلاته: لحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، قال: "سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر".

-من آداب الكتاب، أنه لا ينفع أن يفصل كلمة رسول، ويضع لفظ الجلالة في أول السطر. لأنك ممكن تقرأها ماذا؟ (الله صلى الله عليه وسلم)، فالمفروض (رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فإما أن ينقل كلمة رسول تحت، وإما يرفع لفظ الجلالة فوق. لكن ليس من الأدب في الكتابة أنك تنتهي بكلمة (رسول) ثم تضع (الله) في أول السطر، لأن معنى هذا ماذا؟ ستبدأ السطر ب(الله صلى الله عليه وسلم) وهذا لا يليق.

..أو سلم قبل إتمام صلاته:

-يعني الصلاة تكون ناقصة..

..لحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما قال: "سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين..".

-بسيط اليدين يعني ماذا؟ في يديه طول. طويل اليدين.

واسمه الخرباق.

.."..فقال: أقصرت الصلاة؟ فخرج فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم".

الحالة الثالثة: إذا لحن لحنا يحيل المعنى سهوا: لأن عمده يبطل الصلاة، فوجب سجود السهو.

الحالة الرابعة: أو ترك واجبا: لحديث ابن بحينة رضي الله عنه قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعد الصلوات ثم قام فلم يجلس.."

-يعني قام ولم يجلس للتشهد، ترك التشهد الأول.

"..فقام الناس معه. فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه..".

-يعني توقعنا: هل سيسلم؟

"..كبر قبل التسليم فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم".

ثبت هذا بالخبر فيمن ترك التشهد الأوسط، فيقاس عليه سائر الواجبات، كترك التسبيح في الركوع والسجود، وقوله بين السجدتين: رب اغفر لي، وتكبيرات الانتقال.

-فهذا في حالة ما إذا ترك واجبا.

..للحديث، حديث عبد الله بن بحينة "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين، فمضى في صلاته فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين. فكبر في كل سجدة. قبل أن يسلم وسجد الناس معه مكان ما نسي من الجلوس ثم سلم".

عن عبد الرحمن بن شماسة المهري، قال: "صلى بنا عقبة بن عامر الجهني، فقام وعليه جلوس".

-قام وعليه جلوس....(الدقيقة 42.04) التشهد الأوسط.

.."..فقال الناس: سبحان الله. فلم يجلس فمضى على قيامه. فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالس، فلما سلم قال: إني سمعتكم آنفا تقولون سبحان الله. لكيما أجلس. لكن السنة الذي صنعت".

لأنه كان قد استتم قائما.

-الحقيقة أن هذا الأمر مقيد بما إذا تذكر بعدما استوى قائما. لأنه شرع في الركن.

أما إذا كان يتذكر في أثناء النهوض، فعليه أن يجلس وليس عليه شيء.

-إذا تذكر في النهوض -بغض النظر- يعني هذه المسألة فيها خلاف، بعض الفقهاء يقولون: إذا كان أقرب إلى القعود جلس. وإذا كان أقرب إلى القيام أتم.

لكن هذا الحديث يدل على أنه لا اعتبار بما هو أقرب إليه، لكنه إذا استتم قائما، انتصب قائما فلا يعود. لكن إذا كان أقل من ذلك، قبل أن يصل إلى النهوض قائما، فله أن يجلس وليس عليه شيء.

..عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس. فإن استوى قائما فلا يجلس وليسجد سجدتي السهو".

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: "إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس، فإن لم يستتم قائما فليجلس. وليس عليه سجدتان. فإن استوى قائما فليمضِ في صلاته وليسجد سجدتين وهو جالس".

-طبعا الاستواء: هو الاعتدال والانتصاب.

..وهذا قول الشافعي وعلقمة والأسود وقتادة والضحاك والأوزاعي.

قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى: ((وهو يدل على أن الذي يمنع القائم من الجلوس للتشهد، إنما هو إذا استتم قائما، فأما إذا لم يستتم قائما فعليه الجلوس. ففيه إبطال القول الوارد في بعض المذاهب: أنه إن كان أقرب إلى القيام لم يرجع، وإذا كان للقعود -أقرب للقعود- قعد.

فإن هذا التفصيل مع كونه مما لا أصل له في السنة، فهو مخالف للحديث. فتشبث به وعض عليه بالنواجز. ودع عنك آراء الرجال فإنه إذا ورد الأثر بطل النظر، وإذا ورد نهر الله بطل نهر معقل. وهذا هو قول الجمهور كما نقله ابن رشد القرطبي المالكي)).

الحالة الخامسة: ويجب سجود السهو إذا شك في عدد الركعات، فلم يدرِ كم صلى.

-كما قلنا أسبابه ماذا؟ زيادة أو نقص أو شك.

.. وذلك أثناء الصلاة، لأنه أدى جزءا من صلاته مترددا في كونه منها أو زائدا عليها. فضعفت النية واحتاجت للجبر بالسجود. لعموم حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى. فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس".

وهو في هذه الحالة بين أمرين:

**إما أن يكون الشك بدون ترجيح لأحد الاحتمالين:

-يعني مستوي الطرفين، لا يقدر أن يرجح واحد منهم.

..ففي هذه الحالة يأخذ بالأقل ويبني عليه.

-شك: هل كانوا اثنين أو ثلاثة، يبني على أنهم اثنين. نعم يبني على الأقل. هذا في حالة ماذا؟ إذا كان الشك بدون ترجيح لأحد الاحتمالين.

... فيأخذ بالأقل -اليقين- ويبني عليه ويسجد للسهو، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليبني على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم".

**أما إذا غلب على ظنه وترجح أحد الاحتمالين فإنه يعمل به ويبني عليه، ويسجد سجدتين للسهو، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن شك وتردد: "فليتحرى الصواب ثم ليتم عليه".

-أي يعني على التحري.

.."..ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين بعد أن يسلم".

-فإذا لابد أن ندرك الفرق بين: التحري واليقين.

هناك فرق بين التحري وبين اليقين.

فالتحري يقال: حرَّى الشيء يعني حرَّاه: أي جانِبه. وتحرَّاه كذلك. قال تعالى: { .. فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً  } [ الجن/14]

فالتحري أن يتحرى أصوب ذلك وأكثره عنده.

أما البناء على اليقين فإنه: يلغي الشك كله ويبني على اليقين.

فعلى المصلي أن يتحرى الصواب ويقصده، ويأخذ بأقل نسبة تظهر له، ما لم يكن لها معارض. ثم يسجد بعد التسليم سجدتين ويسلم.

..وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخى -أي يتحرى- حتى يعلم أنه قد أتم، ثم يسجد سجدتين وهو جالس".

يتوخي يعني: يتحرى الصواب.

وقال إبراهيم بن يزيد النخاعي: كانوا يقولون إذا أوهم يتحرى الصواب، ثم يسجد سجدتين.

يقول إمام بن حبان رحمه الله تعالى: (قد يتوهم من لم يحكم صناعة الأخبار ولا تفقه من صحيح الآثار، أن التحري في الصلاة والبناء على اليقين واحد. وليس كذلك. لأن التحري هو أن يشك المرء في صلاته فلا يدري ما صلى، فإذا كان كذلك عليه أن يتحرى الصواب وليبني على الأغلب عنده ويسجد سجدتين السهو بعد السلام على خبر ابن مسعود).

-فإذا شك ينظر -كما ذكرنا- يتحرى وليبني على الأغلب، أغلب الظن ما هو؟ واضح؟

لكن إذا لم يكن هناك مُرجِّح أو غلب الظن، التي هي:

..إذا أصيب بالحيرة واختلط عليه الأمر وعدم  الدراية، ولم يتسنى له تحديد كم صلى، مع التحري والتفكير بنى على اليقين وهو الأقل، وسجد قبل السلام لحديث ابن عوف وأبي سعيد.

يقول ابن حبان: (..والبناء على اليقين هو أن: يشك المرء في الاثنتين والثلاث..).

-صلى اثنين أم ثلاثة؟

(..أو الثلاث والأربع، ولا يستطيع الترجيح، فإذا كان كذلك يبني على اليقين، وهو الأقل وليتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام على خبر عبد الرحمن ابن عوف وأبي سعيد الخدري، سنتان غير متضادتين).

-فيكون التحري: هناك فرق بين التحري كما قلنا وبين البناء عل اليقين، وليسا شيئا واحدا.

وبعض الناس، ليس كل نسيان في الصلاة، ليس كله يكون وسوسة، أو ليس كل تردد وشك يكون وسوسة، أحيانا يكون وسوسة، وهذه مشكلة كما قلنا كبيرة.

لكن ممكن يكون بعض الناس يقول: أنا أوسوس في الصلاة، ولا تكون وسوسة. هو ممكن يكون عنده خلل في الذاكرة الحديثة. خلل في الذاكرة الحديثة.

الذاكرة الحديثة هي أقرب شيء إلى اللحظة الفائتة، من وقت قريب جدا. وهذا يكون في كبار السن غالبا فقط، الناس الذين هم كبار السن جدا جدا، الذي يكون مشوش وغير مركز ومشاغله كثيرة.

لازم نفرق بين الوسوسة العابرة التي هي تلبيس الشيطان على الإنسان في العدد، وبين النسيان مشكلة الذاكرة عند بعض الناس بالذات كبار السن الذي هو خلل هنا في الذاكرة الحديثة وليس وسوسة، وبين الوسوسة طبعا هذه مشكلة..

يعني الحقيقة يبدو أن هو موضوع الوسوسة، يبدو أنه مشكلة ضخمة جدا، هو التدين لا يوجدها هو يظهرها، يعني هو يكون عنده استعداد ويكون منتظرا لشيء فقط يخرج هذه الوساوس، فيبدو أننا محتاجين فعلا ذات مرة لحلقة خاصة عن موضوع الوسوسة لأنه كثر جدا جدا الضغط من الإخوة -بعض الإخوة- عندهم هذه المشكلة، وكما قلت من قبل مرارا لازم الإنسان يصارح نفسه ويذهب للطبيب النفسي. لازم.

لأن الوسوسة لازم علاج كيميائي، وفي بعض الناس ترفض العلاج وتزداد الحالة سوءا وتدخل على اكتئاب بعد ذلك، فيصبح عنده مرضين بدلا من مرض واحد.

فيعني المفروض من يحس أن عنده مشكلة يكون صريح ممكن يقعد خمس ست سنين عنده وسوسة ويخبئ ولا يبين، فموضوع الوسواس مشكلته أن الإخوة يربطون أو بعض الناس تربط بين ..تحسب إن..هي المشكلة كلها جاءت من اللفظ المشترك، كلمة وسواس ترجمت باللغة العربية إلى كلمة الوسواس المستعملة في النصوص الشرعية، فبالتالي كثير من الناس تحسب أن هذه هي هذه. لا. الوسواس الآخر هذا مصيبة، مصيبة كبيرة، يعني مرض صعب. ليس هو الوسواس العادي، الذي يجيء لك وتتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يذهب.

لأن الفرق بين الموسوس وبين الشخص العادي ماذا؟ أن فرامل الأفكار، عند الشخص العادي لما يدوس عليها توقف الأفكار، بينما الآخر .. تخيل واحد يسوق لسيارة وليس هناك فرامل خالص، سابت الفرامل.. يحاول يدوس بلا فائدة. ففرامل الأفكار ليست قوية.

..متى يسن؟

يسن سجود السهو إذا أتى بقول مشروع في غير محله سهوا..

-قول مشروع أتى به في غير محله سهوا: كالقراءة في الركوع والسجود والتشهد في القيام مع الإتيان بالقول المشروع في ذلك الموضع، كأن يقرأ في الركوع مع قوله: سبحان ربي العظيم.

لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين".

فإذا ترك سنة من سنن الصلاة يسن سجود السهو.

موضعه وصفته، لا ريب أن الأحاديث وردت في موضع سجود السهو على قسمين:

*قسم دل على مشروعيته قبل السلام.

*والقسم الآخر دل على مشروعيته بعد السلام.

ولهذا قال بعض المحققين أن المصلي مخير إن شاء سجد قبل السلام أو بعده، لأن الأحاديث وردت بكلا الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده جاز.

قال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام.

..أما صفة سجود السهو فهما: سجدتان كسجود الصلاة.

-الحقيقة أيضا موضوع السجود قبل السلام أو بعده هذا موضوع كبير جدا، ونكتفي بما ذكره هنا. لأن التبسيط فيه يستغرق وقتا يتنافى مع الحرص على الاختصار بقدر المستطاع.

إلا فيما لا بد منه يعني.

..صفته: سجود السهو سجدتان كسجود الصلاة يكبر في كل سجدة للسجود والرفع منه، ثم يسلم.

-ليس هناك تكبيرة إحرام لسجود السهو. يكبر فقط. ثم يسلم.

..وذهب بعضهم إلى أنه يتشهد، إذا سجد للسهو بعد السلام. لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أحاديث حسنة بمجموعها كما قال الحافظ بن حجر.

-لكن في الحقيقة هو لم يثبت في سجود السهو تشهد.

..يقول قتادة: سلم أنس والحسن ولم يتشهدا.

وقال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد بن سيرين: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة.

وقال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهل يتشهد ويسلم إذا سجد بعد السلام؟ فيه ثلاثة أقوال: ثالثها المختار: يسلم ولا يتشهد. وهو قول ابن سيرين ووجه في مذهب أحمد والأحاديث الصحيحة تدل على ذلك.

-أن ورد فيها أحاديث لكن بعض العلماء يضعفها. وإن كان الحافظ حسنها بطرقها. فإذا هذا خلاف سائغ يعني. لكن الأقرب والله تعالى أعلم أنه لا يتشهد، لعدم ورود ذلك في الأحاديث التي ...(الدقيقة 55.29).

..طيب المسبوق: إذا سهى فيما يقضي؟

-يعني واحد صلى أدرك الظهر مثلا ركعتين ثم بعد ذلك يصلي ركعتين الثالثة والرابعة..

..فسها في هاتين الركعتين، يسجد للسهو أم لا يسجد؟

-يسجد، لأن السهو حصل أين؟ حينما انقطعت القدوة بالإمام.

..فالمسبوق إذا سهى فيما يقضي يسجد لسهوه.

لأنه بمنزلة المنفرد فلا يتحمل عنه الإمام، لانقطاع القدوة.

-إلا إذا كان الإمام نفسه سهى أثناء صلاته وسجد قبل التسليم وسجد معه المسبوق، فيكفيه هذا عن أن يسجد ثانية إذ سهى في القسم الذي ينفرد فيه.

طيب

لو المأموم سهى في أثناء الصلاة دون إمامه: يسجد للسهو؟

لا، لا يسجد.

..لا يسجد المأموم للسهو إلا لسهو إمامه معه.

-واضح؟ فليس للمؤتم أن يسجد إذا سهى دون إمامه، ويحمل الإمام عنه السهو. وفي الحديث ماذا؟ "فلا تختلفوا عليه" أي على الإمام. فالإمام يتحمل عنه هذا السهو.

..قال محمد بن رشد المالكي: ذهب الجمهور إلى أن الإمام يحمل عنه السهو، وهو قول الإمام مالك وعامة المالكية.

يقول الألباني رحمه الله: نحن نعلم يقينا أن الصحابة كانوا يقتدون به صلى الله عليه وسلم. وكانوا يسهون وراءه سهوا يوجب السجود عليهم لو كانوا منفردين. هذا أمر لا يمكن لأحد إنكاره. فإذا كان كذلك فلم ينقل أن أحدا منهم سجد بعد سلامه صلى الله عليه وسلم، ولو كان مشروعا لفعلوه، ولو فعلوه لنقلوه، فإذا لم ينقل دل على أنه لم يشرع. وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى.

..قد يؤيد ذلك ما مضى في حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه تكلم في الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم جاهل بتحريمه ثم لم يأمره بسجود السهو.

ذكره البيهقي وما قلناه أقوى.

وقال الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله تعالى: إذا سهى المأموم دون الإمام ولم يفت شيء من الصلاة فلا سجود عليه لأن سجوده يؤدي إلى الاختلاف على الإمام، واختلاف متابعته، ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تركوا التشهد الأول حين نسيه النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا معه ولم يجلسوا للتشهد مراعاة للمتابعة وعدم الاختلاف عليه.

-طيب

..ما حكم من سلم ظنا منه أن الإمام سلم

-سلم وهو يحسب أن الإمام سلم..

..فإذا ظن المأموم أن الإمام سلم فسلم ثم بان أنه لم يسلم، سلم معه أخيرا فلا سجود عليه.

-لماذا؟ لأن سهوه كان في حالة ماذا؟ القدوة، في حالة الاقتداء بالإمام.

طيب.

..ما حكم لو ظن المسبوق أن الإمام سلم، فقام ليتدارك ما عليه ثم ظهر غير ذلك؟

-يعني واحد عليه ركعة مثلا، فحسب أن الإمام سلم، فقام ليتدارك ما عليه ثم ظهر له أن الإمام لم يسلم..

.. لو ظن المسبوق أن الإمام سلم بأن سمع صوتا ظنه سلاما فقام ليتدارك ما عليه، وكان ما عليه ركعة مثلا فأتى بها وجلس ثم علم أن الإمام لم يسلم بعد تبين أن ظنه كان خطئا.

هذه الركعة غير معتد بها، لأنها مفعولة في غير موضعها، فإن وقت التدارك بعد انقطاع القدوة.

-والإمام لا زال لم يسلم. وقت التدارك هو بعد انقطاع ماذا؟ القدوة.

فإذا سلم الإمام قام إلى التدارك ولا يسجد للسهو لبقاء حكم القدوة، لأن سهوه حصل في أثناء الاقتداء بالإمام.

طيب

..إذا سهى الإمام كيف يصنع المسبوق؟

قال مالك والليث والأوزاعي: إذا سجد قبل التسليم.

-طبعا الإمام إذا سجد قبل التسليم طبيعي أن المأموم سيسجد ماذا؟ معه. لأن القدوة مستمرة.

..وإذا سجد بعد التسليم..

-الإمام سجد بعدما سلم.

..ففي هذه الحالة يسجدهما المسبوق بعد أن يقضي..

-يعني يأتي بالركعة الناقصة عليه مثلا، وقبل أن يسلم يسجد سجدتي السهو.

..قال الإمام محمد بن حزم الأندلسي: وإذا سها الإمام فسجد للسهو ففرض على المؤتمين أن يسجدوا معه، إلا من فاتته معه ركعة فصاعدا فإنه يقوم لقضاء ما عليه، فإذا أتمه سجد هو للسهو. إلا أن يكون الإمام سجد للسهو قبل السلام ففرض على المأموم أن يسجدهما معه. وإن كان بقي عليه قضاء قضى ما فاته ثم لا يعيد سجوده إذا سلم.

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: (وسواء سجد الإمام للسهو قبل السلام أو بعده فيجب على المأموم متابعته إلا أن يكون مسبوقا قد فاته بعض الصلاة، فإنه لا يتابعه في السجود بعده..).

-هو يتابعه في السجود قبل التسليم، لكن لا يتابعه في السجود بعده.

..(لتعذر ذلك إذا المسبوق لا يمكن أن يسلم مع إمامه..).

-لأن الإمام يسلم انقطعت القدون فيقوم يكمل.

..(..وعلى هذا فيقضي ما فاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم).

-والله تعالى أعلم..

*المسألة الخامسة: سجود التلاوة:

أولا: مشروعيته وحكمه:

..يقول: وهو مشروع عند تلاوة الآيات التي وردت فيها السجدات واستماعها.

-يعني سواء التالي أو المستمع.

طبعا بالنسبة..

..يقول هنا: قال ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا موضعا لجبهته".

.. وهو سنة على الصحيح وليس بواجب، فقد قرأ زيد بن ثابت على النبي صلى الله عليه وسلم: { وَالنَّجْمِ ...} فلم يسجد فيها.

فدل على عدم الوجوب.

-إذاً سجود التلاوة فضيلة وليس فريضة.

مستحب أو سنة وليس فريضة.

..لما رواه عطاء بن يسار: أنه سأل زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه فزعم أنه ..

- زعم يعني قال..

..زعم أنه: "قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم { وَالنَّجْمِ .. } فلم يسجد فيها". وهذا متفق عليه.

..مع أن السجود في { وَالنَّجْمِ .. } ثابت في الأحاديث الصحيحة، بل متواتر. فدل على عدم الوجوب حيث لم يأمره به النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضا "قرأ عمر رضي الله تعالى عنه على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاءت سجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت سجدة قال: يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر رضي الله عنه".

وزاد نافع من رواية ابن عمر: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء" وهذا رواه البخاري.

وقد تم هذا بمحضر الجمع الكبير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأقروه ولم ينكره أحد.

..يكره سجود الإمام في الصلاة السرية.

-إذا كانت صلاة سرية يكره أنه إذا تلى سجدة تلاوة أن يسجد، لماذا؟

سدا للذريعة. خوفا من حصول تخليط على المأمومين، وبالذات إذا كانوا بعيدين، فإنهم ربما إذا سجد للتلاوة ممكن يظنون أنه ركع، فتحصل لخبطة، وهذا يحصل كثيرا بسبب هذا. فيفضل أن الإمام إما أن لا يقرأ بهذه المواضع، أو إذا قرأها لا يسجد، على أساس أن هذا مستحب وليس واجب فسدا للذريعة كيلا يختلط الأمر على المؤتمين، فيكره سجوده سجود تلاوة في الصلاة السرية.

..أيضا لا تشرع جلسة الاستراحة عقب سجدة التلاوة في الصلاة.

-فإذا سجد سجدة تلاوة في الصلاة، فليس هناك جلسة ماذا؟ استراحة. وينهض مباشرة.

..يقول: ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع، إذا قرأ آية سجدة في الصلاة أو خارجها لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك عندما كان يقرأ السجدة، ولسجود الصحابة معه، كما مر في حديث ابن عمر، فيسجد ونسجد معه، والدليل على مشروعيته في الصلاة، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي رافع، قال: "صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ { إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ  } [ الانشقاق/1] فسجد. فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه".

-فهذا في داخل ماذا؟ الصلاة

..فإذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع. لأن المستمع تبع فيها للقارئ.

ولحديث زيد بن ثابت المتقدم فإن زيدا لم يسجد، فلم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

..وقال ابن مسعود لتميم بن حزلم وهو غلام فقرأ عليه سجدة، فقال: "اسجد فإنك إمامنا".

-إمام القراءة يعني.

طيب لو واحد سمع آية السجدة في الراديو أو في الشريط.

-طالب علم:...

-الشيخ: لماذا؟

هذه آله، آله يعني آله لا تتعبد..

يعني خرجوها على فتوى عند بعض علماء الشافعية: "لو ببغاء يتقن..".

-وطبعا معروف أن هناك ببغاء ممكن يتقن جدا تكرار ..

"..تلى الببغاء آية سجدة، فهل يسجد السامع؟" لا، لأنه لا يتعبد. هو يقلد الأصوات فقط كتقليد ولكنه ماذا؟ لا يفقه معناها، واضح؟ فهو لا يسجد.

فتخريجا على هذا أن هذه آلة أيضا وليس قارئ مباشر يعني حي أمامك.

..أما فضل سجود التلاوة:

فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار".

-طبعا سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة، واستقبال القبلة.

..سجود التلاوة لا يشترط له الطهارة واستقبال القبلة، و"كان ابن عمر يسجد على غير وضوء".

..أما صفته وكيفيته: فإنه يسجد سجدة واحدة ويكبر إذا سجد، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.

كما يقول في سجود الصلاة.

ويقول أيضا: "سبحانك الله ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".

وإن قال: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين" فلا بأس.

وقد جاء في حديث رواه ابن خزيمة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه النووي وصححه الألباني أيضا الدعاء: "اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود".

-فبعض العلماء صحح هذا الحديث، من الأدعية الموظفة في سجود التلاوة.

"اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود".

..أما مواضع سجود التلاوة في القرآن، فهي خمسة عشر موضعا، وهي على الترتيب:

آخر سورة الأعراف - سورة الرعد- سورة النحل - سورة الإسراء - سورة مريم - أول سورة الحج- آخر سورة الحج - سورة الفرقان - سورة النمل - سورة السجدة - سورة فصلت - آخر سورة النجم - سورة الانشقاق - آخر سورة العلق.

-طبعا الآيات مذكورة ومعروفة.

والخامسة عشرة: هي سجدة سورة ص

-وهو هنا أفردها طبعا وحدها لعلة، وهي أن: سجدة ص هناك خلاف فيها، هل هي سجدة شكر أم سجدة تلاوة؟

الآية التي في سورة ص هل هي { .. وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ  . } [ ص/24]

هل كانت سجدة شكر أم سجدة تلاوة؟

هناك قول بأنها سجدة شكر، وهذه رواية عن أحمد اختارها أكثر أصحابه وقال بها أكثر الشافعية، لحديث "سجدها داود توبة ونسجدها شكرا".

ولقول ابن عباس: "ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها". وهذا رواه البخاري

وفي بعض الأحاديث: "فلما بلغ السجدة تشذن الناس للسجود..".

-... الدقيقة .01.10.02)..

.."فلما بلغ السجدة تشذن الناس للسجود، فقال صلى الله عليه وسلم: إنما هي توبة نبي لكني رأيتكم تشذنتم فنزل وسجد وسجدوا". وهذا رواه أبو داود.

-فهذا والله تعالى أعلم يعني هو القول الأرجح لأن الأحاديث هنا ماذا؟ قال: "سجدها داود توبة ونسجدها شكرا".

ففي نص: "..ونسجدها شكرا".

القول الآخر: إنها سجدة تلاوة، وهذه رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة وأصحابه وهو مذهب المالكية. للأحاديث التي ورد فيها سجود النبي صلى الله عليه وسلم في (ص)

لكن الكلام هنا في حكم السجود عند قراءتها في الصلاة..

يعني لو خارج الصلاة، وسجدت أو لا تسجد.

الأمر أولا: سجود التلاوة مستحب وليس واجبا، وأيضا سجدة (ص) سواء قلنا أنها سجدة تلاوة أو سجدة شكر خارج الصلاة، ما في مشكلة.

لكن السؤال: حكم السجود عند قراءتها في داخل الصلاة؟

فعلى القول بأنها سجدة تلاوة: يستحب السجود عند تلاوتها.

وعلى القول بأنها سجدة شكر: اختلف العلماء: قالوا: يجوز السجود عن قراءتها في الصلاة، حتى لو كانت سجدة شكر. داخل الصلاة

عن أبي رافع قال: "صليت مع عمر الصبح فقرأ ب(ص) فسجد فيها".

فهذه داخل ماذا؟ الصلاة

القول الآخر: لا يجوز السجود بها في أثناء الصلاة.

في أثناء الصلاة، ما دامت سجدة ماذا؟ شكر.

التي في الصلاة هذه تكون سجدة تلاوة، لكن لو قلنا ورجحنا أنها سجدة شكر فلا يجوز السجود بها في أثناء الصلاة.

وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

طيب..

بناء على هذا القول: أنه لا يجوز السجود بها في أثناء الصلاة، لو سجد ناسيا أو جاهلا، صحت صلاته ويسجد للسهو.

على أي الأحوال: طيب، لكن سجد متعمدا؟

إن سجد متعمدا على القول بأنها سجدة شكر؟

.. يعني بعض العلماء قالوا: تبطل صلاته وهو الصحيح عند الحنابلة.

لأنه يكون قد أزاد سجدة فتبطل الصلاة.

السجدة الوحيدة الممكن أن تزاد أثناء الصلاة هي سجدة ماذا؟

التلاوة.

لكن هذه إذا قلنا أنها سجدة شكر، فتبطل صلاته إن سجد متعمدا، وهذا هو الصحيح عند الحنابلة.

القول الآخر: صلاته صحيحة لأنها كسائر سجدات التلاوة.

-على أي الأحوال: الأحوط بناء على هذا: ألا يسجد المصلي عند قراءتها في الصلاة خروجا من الخلاف.

وأرجو أن الإخوة يتعودوا على أن المسائل الخلافية السائغة هذه، لا يحدثوا فيها مشاكل، ليس كل قضية خلافة نقعد نتعارك ونعمل خصومات وكذا وكذا..

ولكن نحن كلما نتعلم أكثر كلما الأفق يتسع أكثر.

فلازم نكون الخلاف السائغ ليس فيه إنكار على المخالف، أما التباحث العلمي فما فيه مشكلة.

*المسألة السادسة: سجود الشكر:

وسجدة الشكر هي سجدة منفردة، تشرع لمن تجددت له نعمة تسره أو صُرِفَت عنه نقمة، شكرا لله تعالى.

-فيكون هذا هو سجود الشكر.

سجدة مفردة تشرع لمن تجددت له نعمة تسره أو صرفت عنه نقمة شكرا لله تبارك وتعالى.

..يستحب لمن وردت عليه نعمة أو دفعت عنه نقمة أو بُشِّر بما يسره أن يخر ساجدا لله، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا يشترط فيها استقبال القبلة، ولكن إن استقبلها فهو أفضل.

-فسجدة الشكر لا يشترط لها الوضوء ولا استقبال القبلة.

"فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم الخبر السار بغتة، وكانوا يسجدون عقبه ولم يؤمروا بوضوء، ولم يخبروا أنه لا يفعل إلا بوضوء".

-يعني سواء الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، كان يأتيهم الخبر فجأة فيسجدون فورا، فطبعا وارد جدا أن يكونوا غير متوضئين.

كانوا يسجدون عقب الخبر السار ولم يؤمروا بوضوء ولم يخبروا بأنه لا يفعل إلا بوضوء.

..ومعلوم أن هذه الأمور تدهم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها.

..يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعلوم أن جنس العبادة لا تشترط له الطهارة.

-يعني ليس لأنها عبادة فتشترط لها الطهارة. ولكن الطهارة تشترط لماذا؟ في الصلاة.

..فكذلك جنس السجود يشترط لبعضه، وهو السجود الذي لله. كسجود الصلاة وسجدتي السهو.

-لأن هذا نوع من السجود يشترط له الطهارة، بخلاف سجود التلاوة وسجود الشكر وسجود الآيات.

واضح؟ فإنه لا تشترط له الطهارة ولا استقبال القبلة.

سجود الآيات: أن الإنسان إذا رأى آية من آيات الله يسجد.

..وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فعن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه : "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يَسُرهُ أو يُسَّرُ به، خرَّ ساجدا شكرا لله تبارك وتعالى".

وكذا فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

..وحكم هذا السجود حكم سجود التلاوة وكذا صفته وكيفيته.

-بعض الناس استشكلوا هذا الأمر، فقالوا: إن نعم الله سبحانه وتعالى مستمرة، فنحن دائما في نعم فالمفروض أننا ماذا؟

فلا يشرع سجود الشكر (الدقيقة 01.16.34)، لأنه لو كان فالمفروض أن نسجد على طول إذا، نظل نسجد في كل شيء.

لكن الجواب عن هذا: أن نعم الله تعالى نوعان: نعم مستمرة ونعم متجددة.

نعم مستمرة: تشكر لله سبحانه وتعالى عن طريق العبادات والطاعات وعن طريق صرفها فيما خلقت لأجله، كنعمة الإسلام ونعمة العافية، ونعمة الحياة، نعمة الغنى عن الناس، نعمة البصر، نعمة المشي، نعمة كذا..

فلو سجد لذلك استغرق عمره في السجود {  وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..  } [ النحل/18]

النوع الآخر من النعم: هو النعم المتجددة.

وهذه هي النعم التي يسجد للشكر من أجلها، النعمة أو الحاجة...الطارئة فجأة..

متجددة يعني ماذا؟ شيء جد.

فالسجود لا يشرع في النعم الدائمة أو المستمرة، وإنما تشكر النعمة المستمرة بماذا؟ بالطاعات والعبادات.

لكن النعم المتجددة، ما هي؟ هي التي يمكن وصولها إلى العبد ويمكن عدم وصولها.

يحتمل تصل ويحتمل ألا تصل.

يحتمل ينجح في الاختبار وممكن يرسب مثلا.

احتمال تجيء له وظيفة واحتمال ألا تجيئه.

وهكذا..

فهذه النعمة المتجددة التي يحتمل أن تصل إلى العبد ويحتمل ألا تصل.

فهذه هي التي يكون شكرها بسجود الشكر، شكرا لله عليها وخضوعا له وذلا، لأن هذه الحالة، حالة تجدد النعمة وطروئها ..

النعمة تحدث عند الإنسان فرحا، والفرح قد يرتبط بالأشر والبطر والنفس تنبسط لها، فيقع في الفرح المذموم {  .. لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ  } [ القصص/76]

فمن ثم شرع سجود الشكر ليذل الإنسان لله ويستحضر أن هذه النعمة ليست بحوله ولا بقوته وإنما هي من فضل الله عليه.

وأسهل أنواع العبودية وأحبها إلى الله السجود شكرا لله تبارك وتعالى.

..والنعمة المتجددة لها وقع في النفوس، والقلوب بها أعلق، ولهذا يهنى بها ويعزى بفقدها.

فناسب أن يكون معها هذا السجود.

فإذا هذا السؤال الذي يقول: لماذا خصت النعمة المتجددة بسجود الشكر دون النعم المستمرة الدائمة.

لهذا المعنى الذي ذكرناه، أن الإنسان يسجد لله عليها خضوعا له وذلا في مقابلة البطر. بدل البطر والفرح الذي يكرهه الله، فهو يخضع لله عز وجل ويعترف بأن النعمة منه.

فما دامت هي نعمة متجددة فإنها تستدعي عبودية طارئة أيضا متجددة، بيعني السجود.

-وقبل السؤال هذا أصلا، نقول: إذا جاء الأثر بطل النظر.

ثبت في الشرع سجود الشكر فلا ينبغي أن ..يعني ..يبقى رأي لعقل في مثل هذا..

فانتبهوا لهذا: أن السجود عند النعم ماذا؟

المتجددة.

شيء طارئ يعني، حاجة حادة، حصلت فجأة، أو شيء كان ممكن يحصل أن يجيء لك أو لايجيء لك.

واضح؟

يفكرني هذا السياق، ببعض الإخوة عندما يتكلمون على موضوع القنوت:

هو هذه قريب جدا..

هذه المسألة قريبة جدا من موضوع القنوت..

يعني: البلاد الإسلامية منتشر فيها الفقر والجهل والمرض، وحروب مستمرة بصورة شبه روتينية ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فهل ..

بعض الناس تتكلم على أننا المفروض نظل نحافظ على القنوت، باستمرار.

القنوت هنا إذا مكانه يحل محله الدعاء.

في السجود. وفي مواطن الدعاء الأخرى تدعو، ولا تتوقف عن الدعاء.

لكن القنوت بالذات مرتبط بماذا؟ بالنوازل الحادة، وليست النوازل المستمرة.

انتبهوا لهذا.

لأن بعض الإخوة كان يعاتب في بعض الأحداث التي هي للأسف الشديد، آخذة صفة الروتين.

فالقنوت مثل سجود الشكر هكذا، في الشيء الذي هو ماذا؟ حادة. شيء حادث.. ولذلك جاءت هنا كلمة (نازلة) يعني شيء فجأة حصل أو شيء كبير.

لكن الأمور التي هي معتادة.

أو ليست معتادة، هي نوازل وكله..

ولكنها صارت كأنها شيء يتكرر، فلن نغير صفة الصلاة لأجل ذلك.

إنما يكون عند النوازل الحادة.

وليس معنى ذلك أن الإنسان يتوقف عن الدعاء لكن بدل القنوت يكون ماذا؟ الدعاء في السجود ونحو ذلك.

..إذاً سجود الشكر سجود مجرَّد، لا يشرع فيه تكبير ولا تسليم.

-سجود الشكر ليس صلاة، فليس فيه تكبير ولا تسليم، لأنه لم ينقل فيه شيء من ذلك.

فمشروعية سجود الشكر تتم بمجرد فعل السجود، تسجد وفقط، لا فيه تكبير ولا تسليم.

..كذلك لم يرد له ذكر خاص، لكن يثني على ربه بالمأثور في غير هذا الموضع مما يناسب المقام ويستكثر من شكر الله تبارك وتعالى.

وفي الحديث "أن عليا كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان جميعا فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان. السلام على همدان" وهذا رواه البيهقي وهو صحيح.

وعن عبد الرحمن بن عوف..

-هذه أحاديث تدل أيضا على مشروعية سجود الشكر. فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه -صلى الله عليه وسلم- ولم يذكر ماذا؟ لا تكبير ولا تسليم. فيكون مجرد السلام هذا هو المشروعية.

..وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "إني لقيت جبريل عليه السلام فبشرني وقال: إن ربك يقول لك: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه فسجدت لله شكرا".

وهذا حديث حسن.

وفي قصة توبة كعب بن مالك: "أنه لما سمع صوت صارخ: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج".

-أيضا يستدل هنا من حيث الرأي يعني والقياس، بأنه لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة.

يقول الله سبحانه وتعالى: {  .. وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ..} [ الأنبياء/90].

فمثلا صلاة الكسوف صلاة ماذا؟ رهبة، خوف.

أما صلاة الاستسقاء فهي صلاة: رغبة.

..وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا رأيتم آية فاسجدوا".

والآيات لم تزل مشاهدة معلومة، لكن تجددها يحدث للنفس من الرهبة والفزع إلى الله ما لا تحدثه الآيات المستمرة.

فتجدد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر، كتجدد تلك الآيات في اقتضائها الفزع إلى السجود للصلوات.

ولهذا " لما بلغ ابن عباس موت أم المؤمنين ميمونة رضي الله تعالى عنها خر ساجدا، فقيل له: أتسجد لذلك؟! فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم آية فاسجدوا، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا؟!".

-ولذلك الأعرابي لما تأمل في الآية القرآنية ورأى الإعجاز الذي فيها طبق هذه الآية.

الأعرابي لما سمع قول الله تبارك وتعالى: {  فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً .. } [ يوسف/80]

سجد..

آية.. آية عظيمة جدا، لأنه يفقه اللغة العربية.

فقال: لا يمكن أن يكون هذا كلام بشر، هذا لا يقوله إلا الله سبحانه وتعالى.

فهي آية من الآيات، فجأه هذا المعنى فسجد لله.

"إذا رأيتم آية فاسجدوا"

هذا في حالة ماذا؟

الرهب.

فمن ناحية مقتضى القياس، في حالة الرغب وحدوث نعمة متجددة أيضا فإننا نسجد لله تبارك وتعالى شكرا.

**الباب السابع: في صلاة الجماعة وحكمها**

-الحقيقة موضوع صلاة الجماعة من الموضوعات المهمة جدا، وتستحق أيضا أن تفرد بالبحث، لكن أنا أوصيكم وصية خاصة، بكتاب "أهمية صلاة الجماعة" للدكتور/ فضل إلهي..

ليته يدرس في المساجد والناس تقرأه، لأنه كتاب في غاية الأهمية.

ومن أقوى ما كتب في هذا، كتاب الدكتور/ فضل إلهي: أهمية صلاة الجماعة.

يعني أوصيكم بالاهتمام به.

إن لم يتيسر فهناك كتاب بديل: الأدلة اللماعة على وجوب صلاة الجماعة للأخ محمود الجزائري

*فضل صلاة الجماعة:

..صلاة الجماعة في المساجد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، واتفق المسلمون على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أعظم الطاعات، فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة منها: الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الكسوف وأعظم الاجتماعات وأهمها الاجتماع بعرفة الذي يشير إلى وحدة الأمة الإسلامية في عقائدها وعباداتها وشعائر دينها.

وشرعت هذه الاجتماعات العظيمة في الإسلام لأجل مصالح المسلمين، ففيها التواصل بينهم وتفقد بعضهم أحوال بعض، وغير ذلك مما يهم الأمة الإسلامية على اختلاف شعوبها وقبائلها، كما قال تعالى: {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ..  } [ الحجرات/13]

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها وبين فضلها وعظيم أجرها، فقال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ -أي الفرد- بسبع وعشرين درجة".

وقال صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في الجماعة تضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه".

*أما حكمها:

..فصلاة الجماعة واجبة في الصلوات الخمس.

وقد دل  على وجوبها الكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله تعالى: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ .. } [ النساء/102]

والأمر للوجوب، وإذا كان ذلك مع الخوف..

-إذا كان هذا في حالة صلاة الخوف..

.. فمع الأمن أولى.

ومن السنة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا يصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار".

فدل الحديث على وجوب صلاة الجماعة، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم:

أولا: وصف المتخلفين عنها بالنفاق.

والمتخلف عن السنة لا يعد منافقا، فدل على أنهم تخلفوا عن واجب.

ثانيا: أنه همَّ بعقوبتهم على التخلف عنها، والعقوبة إنما تكون على ترك واجب.

وإنما منعه من تنفيذ العقوبة أنه لا يعاقب بالنار إلا الله عز وجل.

وقيل: منعه مِن ذلك مَن في البيوت من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم صلاة الجماعة.

-ممكن يقال: إنه أيضا حتى لا يترك الجماعة.

..ومنها "أن رجلا كفيف البصر ليس له قائد، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته. فقال: أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: أجب، لا أجد لك رخصة".

ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا بالعذر".

ولقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: "لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق".

..وهي واجبة على الرجال دون النساء والصبيان غير البالغين، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق النساء: "وبيوتهن خير لهن".

ولا مانع من حضور النساء الجماعة في المسجد، مع التستر والصيانة وأمن الفتنة بإذن الزوج.

وتجب الجماعة في المسجد على من تلزمه على الصحيح، ومن ترك الجماعة وصلى..

-يعني ليست المسألة أنها جماعة وحسب، وإنما الجماعة أين؟

في المسجد.

..ومن ترك الجماعة وصلى وحده بلا عذر صحت صلاته، لكنه آثم لترك الواجب.

*المسألة الثانية:

إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أولا؟

الجواب: لا تجب عليه إعادتها مع الجماعة.

-ليس واجبا أن يعيد الصلاة مع الجماعة.

..وإنما يسن له ذلك.

..والأولى فرض والثانية نافلة، لحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة".

ولقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين الذين اعتزلا صلاة الجماعة في المسجد: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة".

-طيب السؤال الآن: ماذا ينوي؟

يعني واحد صلى العصر في مسجد ثم ذهب مسجدا آخر دخل فوجدهم يصلون العصر، طبعا قلنا لا يجب، ويصلي معهم نافلة.

هي تقع نافلة، لكن ينوي بها ماذا؟

ينوي بها الفرض أيضا، لا مانع.

ينوي بها الفرض أيضا ولا يمتنع أن ينوي الفرض وإن كانت نفلا.

..وقيل: ينوي الظهر أو العصر مثلا ولا يتعرض للفرض.

قال النووي: وهو المختار الذي تقتضيه القواعد والأدلة.

-يعني ينوي أن يصلي الظهر أو العصر ولا يتعرض لقضية الفرض.

لكن هي تقع له في كل الأحوال ماذا؟ نافلة.

*المسألة الثالثة:

*أقل ما تنعقد به الجماعة:

أقل الجماعة اثنان.

-وهو الإمام وآخر معه.

..بلا خلاف، لقوله صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليأمكما أكبركما".

وفي حديث ضعيف جدا، عن أبي موسى مرفوعا: "اثنان فما فوقهما جماعة" وهذا رواه ابن ماجة.

 

*المسألة الرابعة:

بما تدرك الجماعة؟

..تدرك الجماعة بإدراك ركعة من الصلاة، ومن أدرك الركوع غير شاكٍ أدرك الركعة واطمئن، ثم تابع.

لحديث أبي هريرة: "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة".

-فمفهوم هذا الحديث: أن من لم يدرك أقل من ركعة، فإنه لم يدرك الصلاة.

*المسألة الخامسة:

من يُعذَر في ترك الجماعة؟

- من يعذر بترك الجماعة؟

..يعذر المسلم بترك الجماعة في الأحوال التالية:

-طبعا هنا نلاحظ، يعني ينبغي أن ننتبه لأن هذه الأعذار: الخوف أو المرض أو كذا تمنع الإثم والكراهة. لكنها لا تحصل فضيلة الجماعة.

لأنه لم يصل في جماعة، غايته أنه ماذا؟ معذور.

بمعنى أن العذر هنا يمنع عنه الإثم وارتكاب الفعل المكروه.

واضح؟

لكنه لا يحصل فضيلة الجماعة لأنه لم يصل جماعة.

..يعذر المسلم بترك الجماعة في الأحوال التالية:

أولا: المريض مرضا يلحقه منه مشقة لو ذهب إلى الجماعة.

لقوله تعالى: {  لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ .. } [ النور/61]

ولأنه صلى الله عليه وسلم "لما مرض تخلف عن المسجد وقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس".

ولقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق قد عُلِم نفاقه أو مريض".

-جاء في روايات: "إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة".

أو: "..يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف".

- يعني عذر الله الأبدان لكن القلوب لم تطق الرخصة.

..كذلك الخائف حدوث المرض لأنه في معناه.

-إنسان عنده حساسية معينة مثلا، ممكن يجيء له حساسية في الصدر لو تعرض للهواء مثلا في الفجر، لنفرض.

وعادته أنه فعلا ممكن يحصل له مثل أزمة صدرية أو شيء من هذا.

فممكن في هذه الحالة أن لا يحضر صلاة الجماعة لأنه هنا ليس مريض، ولكنه خائف من حدوث المرض على عادته.

عادته أنه إذا تعرَّض للشيء الفلاني يجيء له المرض الفلاني. ففي هذه الحالة هذا معتبر أيضا.

يعني ليس شرطا أن يكون مريضا، لا ممكن يكون يخشى حدوث المرض.

..النوع الثاني من الأعذار: المدافع أحد الأخبثين:

-طبعا موضوع المرض فيه دليل ثاني عن أبي موسى مرفوعا: "من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له".

فمفهومه أن المريض يعذر.

..الثاني: المدافع أحد الأخبثين أو من بحضرة طعام محتاج إليه:

لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين".

وعن عبد الله بن أرقم مرفوعا: "إذا أراد أحدكم الغائط وأقيمت الصلاة فليبدأ بها".

-لا يدخل في الصلاة وهو مشوش.

..وعن أبي أمامة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل وهو حاقن".

-الحاقن: هو الذي حُبِس بوله.

..وعن أبي هريرة مرفوعا: "لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وبه أذى".

وعن ثوبان مرفوعا: "لا يقوم أحد من المسلمين وهو حاقن حتى يتخفف".

-لأن المقصود كله ماذا؟ الخشوع في الصلاة. وهذه الأشياء تشوش الخشوع.

..أما في حضرة الطعام:

ففي الحديث: "إذا وضع العَشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء".

-الضابط هو ماذا؟ الإقامة.

.."إذا وضع العَشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء".

"لا صلاة بحضرة طعام".

-يعني بشرط أن يكون مشتاقا للطعام قادر على استعماله، ويكون الطعام قد حضر أمامه.

.. وقال أبو الدرداء: "من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ".

وهذا رواه البخاري معلقا.

 

..العذر الثالث: من له..

-هناك شيء فاتني أن أذكره في قضية المرض: المريض مرضا يلحقه منه مشقة.

لابد أن يكون المرض يلحقه منه مشقة، بخلاف مرض يسير.

يعني لو شوية صداع مثلا، شيء يسير.

الألم في ..

يعني حاجة خفيفة ليست عذر يعني.

كذلك في حكم المريض الممرض ولو لغير قريب.

يعني شخص وجوده بجانب المريض أو الشخص الذي أجرى عملية أو خرج من المخدر أو كذا، وجوده مهم جدا لملاحظته، يقيس له الضغط، يحصل عنده نزيف داخلي يحصل أي مشكلة، فإذا كانت مهنته أنه ..

هو في حد ذاته ليس مريضا، لكنه ممرضا لشخص آخر، فإذا تخلف عنه يتضرر بذلك، فهذا أيضا يعذر في ترك صلاة الجماعة.

دكتور فاتح القلب مثلا أو أمعاء الرجل، يترك المريض ويقول: أنا سليم! وهو تحت المخدر.

حالة طوارئ لا يتحكم في الوقت.

لو طب طوارئ يجيء أي وقت، الحادثة تأتي في أي وقت، فلابد أن يتفاعل مع ..

فهذا أيضا مما يعذر بترك صلاة الجماعة.

..الثالث: من له ضائع يرجوه، أو يخاف ضياع ماله، أو قوته أو ضررا فيه..

-لأن هذا نوع من الهم يتنافى مع الخشوع، إذا كان هناك شيء يهمه.

يهمه: يعني يدخل عليه الهم والانشغال أو التشتت بحيث أنه إذا صلى أيضا لم يخشع، فهذا صور من الهم المانع من الخشوع.

..والتوقان إلى شيء ولم يحضر، أو البحث عن ضالة يرجوها، والسعي في استرداد مغصوب، والسمن المفرط ووجود من يؤذيه في طريقه أو في مسجده.

-كل هذا أنواع من الهم الذي يمنع الإنسان من الخشوع.

-فمن له ضائع يرجوه: يبحث عن ابن ضاع منه، أو دابة تاهت منه، ويبحث وهناك أمل أن يلاقيه إن أسرع.

..أو يخاف ضياع ماله أو قوته أو ضررا فيه، لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعا: "من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر.. قالوا: فما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف أو مرض. لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى" وفي لفظ: "من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له  إلا من عذر".

..وكذا كل خائف على نفسه أو ماله أو أهله وولده، فإنه يعذر بترك الجماعة، فإن الخوف عذر.

والله تعالى يقول: {  لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ..} [ البقرة/286]

ويقول: {   .. وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ..  } [ الحج/78]

-دخول "..من.." يجعل الدلالة هنا على العموم، ماذا؟

قطعية.

..وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار".

كذلك حصول الأذى بمطر ووحل وثلج وجليد. أو ريح باردة شديدة بليلة مظلمة لحديث ابن عمر ..

-طبعا هذه الأشياء نحن من الصعب أن نتخيلها لأن بلادنا الشواطئ الدافئة كما يسمونها.

الحمد لله الطقس عندنا في الغالب معتدل ومحتمل، ولكن من عاش في مناطق أخرى، يعرف ما معنى البرد لما تتكلم على ريح وبرد وجليد، هذه الأشياء فعلا توجد أعذار ممكن الإنسان يتجمد لو مشى في الشارع يتجمد تماما.

..فحصول الأذى بمطر ووحل وثلج وجليد، أو ريح باردة شديدة بليلة مظلمة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: ألا صلوا في الرحال".

-فالمؤذن يأمر المصلين بماذا؟

أن يصلوا في الرحال، في البيوت.

..طبعا في معنى البرد الشديد أيضا الحر الشديد، فإن أقاموا الجماعة لصلاة الظهر ولم يبردوا.

-لم يؤخروا صلاة الظهر  لوقت البرد قليلا، أو أبردوا وبقي الحر الشديد..

.. فيرخص في التخلف عن صلاة الجماعة. والعلة التشويش الذي يذهب الخشوع في الصلاة.

قال صلى الله عليه وسلم: "أبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم".

وهذا رواه مسلم.

الخامس:

الحديث أيضا عن نعيم النحام، قال: "نودي بالصبح في يوم بارد وأنا في وطر امرأتي -يعني في حاجة امرأتي- فقلت: ليت المنادِ قال: من قعد فلا حرج عليه. فنادى مناد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر آذانه: ومن قعد فلا حرج عليه".

 

خامسا: حدوث المشقة بتطويل الإمام:

لأن رجلا صلى مع معاذ ثم انفرد فصلى وحده لما طول معاذ، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره.

-يعني في هذه الحالة يطول جدا، فينوي الانفراد ويكمل صلاته وحده.

لأن الحديث جاء: "أفتان أنت يا معاذ؟".

قرأ بهم بسورة البقرة.

قال: "أفتان أنت يا معاذ؟" أو "يا معاذ أفتان أنت؟".

..فإذا تطويل الإمام للصلاة لما يشق على المأموم ويحرجه عذر شرعي يسوغ له التخلف من شهود صلاة الجماعة في المسجد.

-لكن طبعا لو هناك مسجد آخر، يخرج للمسجد الآخر.

هذا على أساس أن المسجد الجامع، يعني ممكن قرية ليس فيها إلا مسجد واحد فتطويل الإمام بصورة تشق على المأمومين عذر في التخلف عن صلاة الجماعة.

..أيضا من أعذار التخلف عن صلاة الجماعة.

سادسا: أكل الثوم النيء والبصل والكراث ونحوها.

-يعني ما في معناها كالتدخين، لأن التدخين أخبث.

..لحديث: "من أكل ثوم ..".

-يعني جربوا هكذا لو واحد جاء بسيجارة وفتتها هكذا وقربها من أنف حمار، ماذا يفعل؟

سينفر نفورا شديدا. من الرائحة الخبيثة.

فما بالك بأذية الملائكة؟ وأذية المصلين؟ لأن هذه الرائحة الخبيثة تؤذي الملائكة وتؤذي المصلين.

..فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا" أو "..فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".

-ودعوكم إذاً من الأحباش الذين يقولون لتلامذتهم، يعني الأحباش يقولون: لو أردت ألا تصلي جماعة كل ثوم وبصل ليكون عذرا في التخلف عن صلاة الجماعة".

هذا تحايل.

..يقول صلى الله عليه وسلم أيضا: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا" وفي رواية: "..فلا يقربن مسجدنا ولا يصلين معنا". وهذا متفق عليه

وقال صلى الله عليه وسلم: "من أكل من هذه البقلة -الثوم- وقال مرة: البصل والثوم والكراث- فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" وهذا رواه مسلم

وقال عمر رضي الله عنه: "ولقد كنت أرى الرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجد ريحه منه، فيؤخذ بيده حتى يخرج إلى البقيع، فمن كان آكلها لابد فليتمها طبخا" رواه مسلم

-لذلك الكلام في الثوم والبصل ماذا؟ النيء

والآن ولله الحمد، طبعا هو الثوم والبصل صحيح شجرتان خبيثتان، لكن من حيث الرائحة، لكن هل هما محرمتان؟

ليستا محرمتان.

بالعكس فيهما فوائد عظيمة جدا بالذات الثوم.

من نعم الله علينا الآن، أن الثوم أصبح يعالج بطريقة معينة بحيث تنفى تماما منه الرائحة الخبيثة، ويتواجد في ماذا؟ أقراص وكبسولات. أقراص ثوماكس، وحاجات كهذه.

فهذه نعمة من نعم الله، لأن فعلا الثوم مفيد جدا من الناحية الصحية، له فوائد عظيمة جدا وكذلك البصل، لكن الثوم معروف بهذا.

فممكن من احتاج إلى أن يتداوى به كشيء طبيعي ليس له آثار جانبية ممكن يعمل هبوط أحيانا لو أحدهم أكثر، فالثوم مفيد جدا، فأصبح يمكننا الآن أن نستفيد منه بدون أي أثر للرائحة الخبيثة.

موجودة أقراص الثوم لمن كان محتاجا إليها.

سادبعا:

خوف فوات الرفقة في السفر:

..لما في ذلك من انشغال قلبه إذا انتظر الجماعة أو دخل فيها مخافة ضياع ..(الدقيقة 01.45.30) رفقته.

-طبعا ترون رحمة الإسلام بماذا؟ بالناس، وواقعية الشريعة الإسلامية مع ظروف الناس. وفعلا:  {   .. وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ..  } [ الحج/78]

"إن هذا الدين يسر"

ثامنا:

الخوف من موت قريبه وهو غير حاضر معه:

كأن يكون قريبه في سياق الموت، وأحب أن يكون معه يلقنه الشهادة ونحو ذلك فيعذر بترك الجماعة لأجل ذلك.

تاسعا: ملازمة غريم له، ولا شيء معه يقضيه:

-الغريم: الشخص الذي عليه دين لواحد ولا يستطيع أن يسدد، حل الأجل ولم يستطع السداد.

فشرعا يجوز للشخص صاحب الدين أن يلازمه كظله هكذا.

غريم.

{  .. إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً  } [ الفرقان/65]

يعني ملازما.

فهذا معنى الغرام.

فالغريم يظل إذاً يمشي يمشي معه، يقعد يقعد معه، مطرح ما يذهب معه.

فهذا حق للغريم.

فإذا كان الغريم يلازمه وهو لا شيء معه يقضيه، ما هو لو معه فلوس فيجب عليه أن يسدده، ولا يعذر بترك الجماعة، ولكن هو ليس معه شيء يدفعه، وهذا الغريم يطارده في كل مكان. ويلازمه في كل مكان.

..فإن كان الدين حالا، وله قدرة على القضاء فلا عذر له بالخوف حينئذٍ، لكن لو الدين حل وليس معه ما يقضيه، وهذا سيلازمه في أي مكان أينما ذهب.

..فله ترك الجماعة لما يلحقه من الأذية بمطالبة الغريم وملازمته إياه.

-إحراج شديد يعني..

..أيضا من ضمن الأعذار..

عاشرا: أين يكون عاريا لا لباس له:

-يعني ليس عنده ملابس، فيصلي في البيت. يتخلف أو يبقى في البيت.

حادي عشر:

القيام بأمر الميت وتجهيزه.

-فهذا أيضا من الأعذار في التخلف عن صلاة الجماعة.

*المسألة الثالثة:

إعادة الجماعة في المسجد الواحد:

..إذا تأخر البعض عن حضور جماعة المسجد مع الإمام الراتب، وفاتتهم الصلاة، فيصح أن يصلوا جماعة ثانية في المسجد نفسه، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده".

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي حضر إلى المسجد بعد انتهاء صلاة الجماعة: "من يتصدق على هذا فيصلي معه، فقام أحد القوم فصلى مع الرجل".

كذلك إذا كان المسجد مسجد سوق أو طريق أو ما أشبه ذلك، فلا بأس بإعادة الجماعة فيه وبخاصة إذا لم يكن لهذا المسجد إمام راتب، ويتردد عليه أهل السوق والمارة.

أما إذا كان المسجد فيه جماعتان أو أكثر دائما وعلى نحو مستمر واتخذ الناس ذلك عادة، فإنه لا يجوز إذ لم يعرف ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولما فيه من تفرق الكلمة والدعوة للكسل والتواني عن حضور الجماعة الأم مع الإمام الراتب. وربما كان ذلك مدعاة لتأخير الصلاة عن أول وقتها..

-في الحقيقة هذه المسألة تحتاج لشيء من التفصيل:

أولا: نذكر فتوى لجنة الفتوى في السعودية:

هل لرجال تأخروا عن الجماعة في المسجد ووجدوا الناس قد صلوا أن يصلوا في المسجد جماعة أخرى أو لا؟

وهل هناك تعارض بين حديث: "من يتصدق على هذا" وبين قول ابن مسعود رضي الله عنه أوغيره: "كنا إذا فاتتنا الجماعة أو انتهت الجماعة، صلينا فرادى أو كما قال رضي الله عنه".

الجواب: من جاء إلى المسجد فوجد الجماعة قد صلوا بإمام راتب أو غير راتب. فليصلها جماعة مع مثله ممن فاتتهم الجماعة، أو يتصدق عليه بالصلاة معه بعض من قد صلى، لما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصر رجلا يصلي وحده. فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل فصلى معه". رواه الترمذي

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: "جاء رجل وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أيكم يتجر على هذا؟ فقام رجل فصلى معه" قال الترمذي: حديث حسن ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على ذلك.

وذكره ابن حزم في المحلى وأشار إلى تصحيحه أبو عيسى الترمذي.

وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه.

وبه يقول أحمد واسحق.

وقال آخرون: يصلون فرادى.

وبه يقول: سفيان وابن المبارك ومالك والشافعي يختارون الصلاة فرادى.

وإنما كره هؤلاء ومن وافقهم ذلك خشية الفرقة وتوليد الأحقاد وأن يتخذ أهل الأهواء من ذلك ذريعة إلى التأخر عن الجماعة. ليصلوا جماعة أخرى خلف إمام يوافقهم على نحلتهم وبدعتهم فسدا لباب الفرقة، وقضاءا على مقاصد أهل الأهواء السيئة، هو ألا تصلى فريضة جماعة في مسجد بعد أن صليت في جماعة بإمام راتب أو مطلقا.

والقول الأول هو الصحيح لما تقدم من الحديث لعموم قوله تعالى: {  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ..} [ التغابن/16]

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".

ولا شك أن الجماعة من تقوى الله، ومما أمرت به الشريعة فينبغي الحرص عليها على قدر المستطاع، ولا يصح أن يعارض النقل الصحيح بعلل رآها بعض أهل العلم وكرهوا تكرار الجماعة في المسجد من أجلها، بل يجب العمل بما دلت عليه النقول الصحيحة، فإن عُرف عن أحد أو جماعة تأخر لإهمال وتكرر ذلك منهم، أو عرف من سيماهم ونحلتهم أنهم يتأخرون ليصلوا مع أمثالهم عذروا وأخذ على أيديهم بما يراه ولي الأمر، ردعا لهم ولأمثالهم من أهل الأهواء وبذلك يسد باب الفرقة ويقضى على أغراض أهل الأهواء دون ترك العمل بالأدلة التي دلت على الصلاة جماعة، لمن فاتتهم الجماعة الأولى.

-الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى سئل نفس السؤال فقال: هذا القول -وهو عدم جواز إقامة جماعة أخرى بعد الجماعة الأولى- ليس بصحيح ولا أصل له في الشرع المطهر. فيما أعلم، بل السنة الصحيحة تدل على خلافه، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" وقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده" وقال لما رأى رجلا دخل المسجد بعدما صلى الناس: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟".

-ولكن لا يجوز للمسلم أن يتأخر عن صلاة الجماعة بل يجب عليه أن يبادر إليها..

نكتفي بهذا القدر..

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم..

سبحانك اللهم ربنا وبحمدك..

أشهد أن لا إله إلا أنت..

أستغفرك وأتوب إليك..