٥ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨

5- حفظ النفس من المقاصد الضرورية في الإسلام

 

 

الحمد لله رب العالمين .. الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين

والعاقبة للمتقين .. ولا عدوان إلا على الظالمين

أما بعد..

 فإن الغاية الكبرى للتشريع الإسلامي تحقيق العبودية لله عز وجل وحده وحِفْظ الضرورات الخمس التي هي الدين والنفس والعقل والمال والعرض أو النسل يلي ذلك حفظ الحاجيات ثم التحسينات؛

والحاجيات تتعلق بالعلاقات الإنسانية في المعاملات ثم التحسينيات وهي مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، أما حفظ الضروريات فما يتعلق بموضوع الانتحار هو حفظ النفس وبيان قيمة هذه النفس عند الله تبارك وتعالى وفي شريعته وعند ذوي النفوس السوية.

 جاءت الشرائع لتحفظ النفس وتراعيها من جانب الوجود وأيضا تراعيها من جانب العدم؛ أما من جانب الوجود فقد وجدت تشريعات كثيرة تحفظ وجود الإنسان في جميع أطواره إلى ما قبل التكليف كأحكام الزواج

والنفقة والرضاعة والحضانة وبعد التكليف الأحكام التي تبين الحلال والحرام، أما مراعاة هذه الضروريات من جانب العدم فنذكر بعض إجراءات هذه الشريعة الحنيفية لحِفْظ النفس

فأولا: حَرَّمَت الشريعة الاعتداء على النفس ونهت عن قتل النفس واعتبرت ذلك من أكبر الكبائر الموبقة كما سبق أن بينا.

 ثانيا: سدت الذرائع المؤدية إلى قتل النفس، قال صلى الله عليه وسلم: " مَن حمل علَينا السِّلاحَ فليسَ منَّا"وهذا متفق عليه

وقال صلى الله عليه وسلم "سباب المسلمِ فسوق وقتاله كفر"

ثالثا: شَرَعَت القصاص، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179]

يعني لعلكم تتقون القتل فإن القاتل إذا علم أنه يعاقب بالقتل فإن ذلك يزجره ويكفه عن جريمته فيسْلَم من أراد قتله ويَسْلَم من ينوي القتل، إذن يكون في القصاص حياة لهما جميعا

أيضا في القصاص لا يُقْتَل إلا القاتل ففي قتل القاتل بقاء لغيره وهذا يتضح إذا استحضرنا عادة الأخذ بالثأر، وأيضا كما كان الحال في الجاهلية قد تستمر حروب ويفنى فيها أجيال بسبب عدم القصاص من القاتل الأصلي أو بسبب عدم قتل القاتل نفسه؛

يقتل ناس من أشراف قبيلته ونحو ذلك.

 وأيضا في القصاص شفاء لغير أولياء الدم وإرضاء لهم فإن القاتل في الشريعة يُسَلَّم لأولياء المقتول ويتم القصاص تحت إشراف ونظر الحاكم ولا شك أن التمكن من الانتقام من هذا القاتل يُذْهِب غيظهم وربما يشجعهم على أن يعفو عنه لأن

عفوهم كان عن قدرة وابتغاء ثواب الله تبارك وتعالى، يقول الله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] .

 

 الوسيلة الرابعة لحفظ النفس: ضرورة  إقامة البينة في قَتْل النفس؛ يعني كما أن العذاب في الآخرة لا يمكن أن يقع إلا بعد إقامة الحجة، كذلك أيضا لا يؤخذ الجناة في الدنيا بغير حجة؛

فلا بد من إقامة البينة في قتل النفس والبينة إما تكون بالإقرار إقرار صاحب الجريمة لأن الاعتراف سيد الأدلة، أو شهادة الشهود العدول بالعدد الكافي وهو النصاب فالنصاب الشهود في الرجم أربع شهداء أو أربعة من الشهداء،

كما قال تعالى: { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} [النور:13]. أما في القتل فالعدد المطلوب هو شهادة رجلين عدلين.

 

 الإجراء الخامس: ضمان النفس بالقصاص إذا توفرت الشروط ولم يعف أولياء الدم أو الدية إن لم تتوفر الشروط أو عفا أولياء الدم، ودية العمد تكون مغلظة، وكذلك تجب الدية أيضا في شبه العمد.

 

الإجراء السادس: تأخير تنفيذ القتل فيمن وجب قتله إذا خُشِي من قتله الإضرار بغيره؛ فمثلا لا يُسْتوفى القصاص من المرأة الحامل حتى تضع حَمْلَها بل ينتظر حتى تُرْضِعه ويستقل بالطعام إذا لم يجد مُرْضِعًا.

 

الإجراء السابع: العفو عن القصاص وترغيب الشريعة في هذا العفو

كما قال تعالى مثلا في الجِرَاح {فمن تصدق به فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة:45] وقال في القتل {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:178].

 

الإجراء الثامن: إباحة المحظورات في حالة الضرورة، قال تعالى: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173].

وقال تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ } [الأنعام:119].

 فيُبَاح له أَكْل المحرمات لحِفْظ نفسه من الهلاك، وقيل بل يجب.

 قال مسحوق رحمه الله: "من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار، لقوله تعالى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [البقرة:195] وللإكراه حكم الاضطرار نفسه".

 

إذن هذه شريعة رب الإنسان من أجل صالح الإنسان كلها تدل على قيمة الحياة وعِظَم شأنِها.

 والإنسان في الشريعة مخلوق مُكَرَّم خَلَقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعَلَّمه مفاتيح العلوم واللغات، وسَخَّر له ما في السموات وما في الأرض جميعا، وزوده بملكات ومهارات تُعِينه على تحقيق العبودية وعمارة الكون بالاستخلاف،

قال الله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء:70].

وقال عز وجل: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

وقال: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].

وقال: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115].

 

وقال مُبَيِّنًا مكانة الإنسان بالنسبة لهذا الوجود ولهذا الكون { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:45]

وهذا يدل على أن وجود كل ما في الأرض هو من أجل الإنسان ومُسَخَّر لصالح الإنسان، فإذا انتفى الإنسان انتفى وجود هذه الأشياء في الأرض.

 

 والإسلام يزود المسلم بإطار قِيَمِي يُمَيِّز به الصواب من الخطأ، والنافع من الضار، والحق من الباطل، ويضبط سلوك المسلم وَفْقًا لمنهج الله تعالى في علاقته بربه وبنفسه وبالآخرين.

 فلا شك أن موقف الإسلام من الإنسان ونظرته إليه مظهر من مظاهر الاختلاف الجوهري عن الثقافات الغربية والشرقية المخالِفة للإسلام.

 ونضرب مثالا آخر مفهوم العقوبة على الأفعال المخالِفة للشريعة؛ ففي الإسلام مفهوم العقوبة هناك عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية تفعل في نفس المؤمن بالله واليوم الآخر، فدائما يضعها في حسابه ماذا بعد الموت؟،

ماذا في القبر؟، ماذا في يوم القيامة؟، ماذا في المصير الخالد؟

فهناك عقوبة دنيوية في الشريعة كالحدود والقصاص والتعزير وهناك أيضا ما هو أخطر وأدوم وأشد هو العقوبة الأخروية سواء في عذاب القبر وعذاب جهنم وهذا المفهوم يشكل رادعا قويا وحاجزا منيعًا ضد استفحال السلوك الإجرامي في الأمة المسلمة.

 أما في الثقافة الغربية الوضعية فإن العقوبة تقتصر على الجانب الدنيوي المتمثل في الغرامات المادية في الحبس، في الجزاءات المادية .. إلخ، حتى من يقتل نفسه ويعتدي على بنيان الله ويهدم ما بناه الله سبحانه وتعالى بقتل نفسه فهذا لن يعاقب لماذا؟

 لأنه خرج من الدنيا وهي عنده المجال الوحيد للعقوبة ولا إقرار بحياة أخروية.

 

ومفهوم المسؤولية في الإسلام يعني أن الشخص مسؤول عن سلوكه ما دام مكلَّفًا مختارا.

 

إن نعمة الحياة هبة إلهية عظمى أحاطها الله بسياج الحماية والحفظ، بحيث لا تكون عُرضة لأي عبث بها أو إضرار بسلامتها، ولا أَدَل على أن حفظ الحياة أمر محترم لا يخضع للاستخفاف ولا العبث به من

قول الله تبارك وتعالى: { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ} [المائدة:32].

 

إن الدنيا في الإسلام دار ابتلاء وامتحان، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].

فهذه هي رسالة المسلم في الدنيا عبادة الله تبارك وتعالى

 أما من لم يعبد الله فهو من قال الله تعالى فيه {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44].

 

و"العبادة" بمفهومها الشامل هي كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان ومن ثَمَّ ليس سِرًا أنها مليئة بالآلام والمِحَن والشدائد، هذا ليس مفاجأة بل هو ما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى عن طبيعة هذه الحياة الدنيا.

 الجنة فقط هي الخالية من الآلام، يقول الله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر:34-35].

تحميل 0.06 MB