١٠ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨
١٥ ربيع أول ١٤٣٨ هـ 615

03- الانتحار وخاتمة السوء

إن المنتحر يتورَّط في كبيرة أخرى وهي القنوط من رحمة الله فإن الإياس من رَوْح الله تعالى، والقنوط من فَرَجه كبيرة فيها سوء ظن بالله تبارك وتعالى، ونِسْبَة ما لا يليق به عز وجل، قال الله عز وجل: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ } [يوسف : 87].

وقال عز وجل: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَط مِنْ رَحْمَة رَبّه إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56]

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28]

وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ باللهِ".

الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : مسلم | خلاصة حكم المحدث : صحيح

وقال صلى الله عليه وسلم: "الْكبائرُ؟ الشِّرْكُ باللَّهِ واليأسُ من رَوحِ اللَّهِ والأمنُ من مَكرِ اللَّه"ِ

الراوي : ابن عباس | المحدث : السيوطي| خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن.

ولا شك أن الذي يختم حياته بأن ينتحر فرارا من الابتلاءات الدنيوية ليس ممن يُحْسِن الظن بالله.

 يقول الشاعر:

أَحْسِنِ الظَّنَّ بِرَبٍّ عَوَّدَكْ *** حَسَنًا هو بِالأَمْسِ سَوَّى أَوَدَكْ

إِنَّ رَبًّا كَفَاكَ الَّذِي كَانَ *** بِالأَمْسِ سَيَكْفِيكَ غَدَكْ.

 

وقد دَلَّنا الله تبارك وتعالى على الأسلحة التي نواجه بها شدائد الدنيا، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153].

وقال تبارك وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:90].

وقال عز وجل: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157].

والملائكة تُخَاطِب المؤمنين في الجنة فتقول لهم: {سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:24].

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما العِلمُ بالتَّعلُّمِ، والحِلمُ بالتَّحَلُّمِ" .

الراوي : رجاء بن حيوة | المحدث : الألباني | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح موقوف وله شاهد.

وقال أيضا: "ومَن يتصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ".

الراوي : أبو سعيد الخدري | المحدث : البخاري |خلاصة حكم المحدث : [صحيح].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بامرأةٍ عند قبرٍ وهي تبكِي ، فقال لها: اتقِي اللهَ واصبري ، فقالت : إليكَ عنّي فإنكَ لم تُصَبْ بمصيبَتِي، قال ولم تعرفهُ ، فقيلَ لها: هو رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثلُ الموتِ، فأتتْ بابَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلم تجِدْ عنده بوابِينَ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ ! إنّي لم أعرفكَ . فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إن الصبرَ عندِ أَولِ الصدمةِ"

الراوي : أنس بن مالك | المحدث : البيهقي | المصدر : السنن الصغير للبيهقي

الصفحة أو الرقم: 2/38 | خلاصة حكم المحدث : صحيح.

 

وَدَلَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأدعية التي تُقال في وقت الكرب والشدة، مثل دعاء ذي النون: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"

ومثل: "الله الله ربي لا أشرك به شيئا".

 

وقال صلَّى اللهُ عليه وآله سلَّمَ: ما من أحد تصيبُه مصيبةٌ فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون . اللهمَّ ! أْجُرْني في مصيبتي وأَخلِفْ لي خيرًا منها - إلا أجَاره اللهُ في مصيبتِه . وأخْلَف له خيرًا منها"

الراوي : أم سلمة هند بنت أبي أمية | المحدث : مسلم | المصدر : صحيح مسلم | خلاصة حكم المحدث : صحيح

فمثل هذا الذِّكْر "إنا لله" يعني نحن مِلْك لله، نحن لا نملك أنفسنا لكن أرواحنا وديعة في أسجادنا يستردها صاحبها متى شاء.

 

وبمناسبة هذا الذِّكر "الاسترجاع" أَذْكُر أن أحد كبار أساتذة الطب النفسي في مصر توفي والده، فحزن عليه حُزْنًا شديدا وظهر عليه الجزع، فأتى لتعزيته أستاذ آخر من أصدقائه، فلما رأى حزنه وجزعه أوصاه بأن يقول: "اللي ييجي ييجي واللي يروح يروح"، وقال له: "كرر هذه العبارة كثيرا" (اللي ييجي ييجي واللي يروح يروح)، يقول: "ففعلت ... فذهب عني الجزع واسترحت كثيرا"

نرى أنه فرح فرحا شديدا وكأنه وقف على الضالَّة المنشودة ووقع على الدرة المفقودة، هذه العبارة الجميلة كأنها حديث مثلا !

(اللي ييجي ييجي واللي يروح يروح)

فأين هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا إياه "إنا لله وإنا إليه راجعون"؟!

 فهذا من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

 وهذه العبارة "اللي ييجي ييجي واللي يروح يروح" هي ما يُعبر عنه بالتقبل، عندهم "التقبل"، أما عندنا في الوحيين الشريفين فهناك ما هو أعظم وأعلى مقاما من التقبل وهو مقام الرضا عن الله تبارك وتعالى بالاسترجاع والرضا بقضاء الله وعدم سخطه؛ لأن مجرد التقبل أن مثل هذا الشيء واقع واقع ولا محالة منه هذا يُشْبه سُلُوّ البهائم؛ أنت حينما تعاقب الدابة بالعصا أو بالسوط أو بكذا هي لا تملك إلا الصبر وهي لا تستطيع أن تحتسب لعدم وجود عقل عندها لا تستطيع أن تحتسب لوجه الله

أن الحمار يقول أنا أصبر ابتغاء ثواب الله في الآخرة ..لا..هي ليس عندها من العقل ولا المعرفة ما يدفعها إلى أنها تحتسب، فصبر البهائم هو يشبه من وجه هذا الذي يسمى "التقبل"، الأمر الواقع واقع ولن يتغير فتستسلم له (اللي ييجي ييجي واللي يروح يروح)

أما أن تقول عند المصيبة "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمَّ ! أْجُرْني في مصيبتي وأَخلِفْ لي خيرًا منها"

ففيها خير وبركة لا تنحصر.

 

 إذن فصاحب المصيبة يعلم أنه وأهله وماله مملوك لله عز وجل حقيقة وكل ذلك عارِّية عنده يستردها المُعِير متى شاء، وتَصُرّف العبد فيها تصرف المملوك لا تصرف المالِك فلا يُباح فيه من التصرفات إلا ما وافق أمر مالِكه الحقيقي.

 

 عَلَّمَنا الشرع الشريف عند المصائب "أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطانا لم يكن ليصيبنا"

قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد:22-23].

وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن:11].

قالوا: هو المؤمن تصيبه المصيبة فيسترجِع.

 

أيضا من ذلك أن ينظر في الدنيا إلى من هو تحته، وينظر في الدين إلى من هو فوقه، ويستحضر أن الله عز وجل إن أَخَذ منه شيئا فما أكثر ما أبقى ويستحضر أيضا أن هذا أمر سارٍ على جميع الناس، كما يقولون:

في كلِ وادٍ بَنُو سعد *** وتلك سبيل لسْتُ فيها بِأَوْحَدِ

 فكل الناس مبتلَوْن وتلك سبيل لست فيها بأوحد

تقول الخنساء:

ولَوْلا كَثرَة ُ الباكينَ حَوْلي *** على إخوانهمْ لقتلتُ نفسي

وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِنْ *** أُعَزّي النَّفسَ عنهُ بالتَّأسي

 

فكل الناس مُبْتَلون وإن تنوعت أشكال وأحجام هذا الابتلاء

والدنيا مهما طالت وطالت آلامها فهي أحلام نوم أو كظل زائل.

 

وهذه فائدة من فوائد العلاج الجماعي أنه يُرْسِل لك رسالة أنك لست وحدك هناك من يعانون مشكلتك نفسها، وأيضا يرسل العلاج الجماعي رسالة أن الحل ممكن وأن العلاج ممكن والدليل هو ما أراه من شركائي في هذا الفريق الذين حَكَوْا تجاربهم وكيف أنهم تغلبوا على الصعاب والشدائد.

 ويقول الله تبارك وتعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216].

 

يقول الإمام ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-: "فمن تَلَمَّح بحر الدنيا وعَلِم كيف تُتَلَّقى الأمواج وكيف يصبر على مُدَافعة الأيام لم يَسْتَهْوِل نزول البلاء ولم يفرح بعاجل رخاء".

قال أحدهم:

 تجري الأمور على حكم القضاء وفي *** طي الحوادث محبوب ومكروه

وربما سرني ما كنت أحذره *** وربما ساءني ما كنت أرجوه

وقال الآخر:

فلا خيرَ فيمَنْ لا يُوطِّنُ نفسَهُ *** على نائباتِ الدهرِ حِينَ تَنُوبُ

 

رُوِي أن عمر بن عبد العزيز كَتَبَ إليه بعض الناس يعزيه في موت ابنه عبدالملك فقال عمر لكاتبه: "اكتب ودقق القلم" ... "أما بعد فإن هذا أمر كُنَّا وَطَّنَّا نفوسنا عليه، فإذا نزل بنا لم نكرهه، والسلام".

 

إذن ليس في الأمر مفاجآت؛ سَبَق أن أخبرنا الله تبارك وتعالى بحتمية الابتلاء في الدنيا { إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} [الإنسان:2].

وقال: { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:186].

 

وهذه طبيعة الدنيا

طُبِعَت على الأكَدَارٍ وأنت تُريدها *** صفواً من الأقذاء والأكدارِ

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه له خيرٌ؛ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شكَر فكان خيرًا له وإنْ أصابَتْه ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمنِ".

 

تحميل 0.07 MB