٧ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨

 الفقه الميسر 

كتاب الطهارة 

فقه المسح على الخفين والغسل والتيمم والنجاسات



الحمد لله رب العالمين..

الرحمن الرحيم..

مالك يوم الدين..

والعاقبة للمتقين..

ولا عدوان إلا على الظالمين..

وأشهد أن  لا إله إلا الله وحده، لا شريك له..

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..

اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد..

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد..

أما بعد..

فقد انتهينا في مدارسة الفقه الميسر إلى المسألة السادسة فيما يتعلق بفقه الوضوء.

وهي نواقض الوضوء:

ونواقض الوضوء: هي الأشياء التي تبطل الوضوء وتفسده.

وهي ستة:

*الخارج من السبيلين (أي من مخرج البول والغائط)..

والخارج إما أن يكون بولا أو غائطا أو منيا أو مديا أو دم استحاضة أو ريحا، قليلا كان أو كثيرا.

لقوله تعالى: "..أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ..(43)" النساء..

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ".

وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولكن من غائط أو بول أو نوم".

وقوله صلى الله عليه وسلم فيمن شك هل خرج منه ريح أو لا: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا".

*الناقض الثاني من نواقض الوضوء:

خروج النجاسة من بقية البدن:

فإن كان بولا أو غائطا نقض مطلقا لدخوله في النصوص السابقة، وإن كان غيرهما كالدم والقيء فإن فحش وكثر فالأولى أن يتوضأ منه عملا بالأحوط، وإن كان يسيرا لا يتوضأ منه بالاتفاق.

 

*الناقض الثالث:

زوال العقل أو تغطيته بإغماء أو نوم..

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولكن من غائط وبول ونوم".

وقوله: "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ".

الوكاء: هو الخيط الذي يربط به القربة.

والسه: يراد به الدبر.

والمعنى: أن العينين في يقظتهما بمنزلة الحبل الذي يربط به، فزوال اليقظة كزوال هذا الرباط.

"..فمن نام فليتوضأ".

-فأما الجنون والإغماء والسكر ونحوه فينقض إجماعا.

والنوم الناقض: هو المستغرَق، الذي لا يبقى معه إدراك على أي هيئة كان النوم.

-يعني هو النوم في حد ذاته ليس ناقضا، النوم بنفسه ليس ناقضا، وإنما هو مظنة حصول النقض.

فالعبرة بالإدراك، إن كان إدراكه لا زال قائما حتى لو دخل في النعاس أو في النوم اليسير أو السنة، ما دام مدركا، فإن هذا لا يؤثر في طهارته.

فالنوم الذي ينقض هو النوم المستغرِق الذي لا يبقى معه إدراك على أي هيئة كان النوم.

أما النوم اليسير فإنه لا ينقض الوضوء، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كان يصيبهم النعاس وهم في انتظار الصلاة، ويقومون يصلون ولا يتوضأون.

*الناقض الرابع:

مس فرج الآدمي بلا حائل..

لحديث بُصرة بنت صفوان رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ".

وفي حديث أبي أيوب وأم حبيبة: "من مس فرجه فليتوضأ".

-إذا أيضا هذا من النواقض، مس فرج الآدمي بلا حائل.

**أما مس بدن المرأة:

 فإنه لا ينقض مطلقا، سواء مسه بشهوة أو بغير شهوة على الراجح، لأن قوله تعالى: "..أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ..(43)" النساء.

يراد به الجماع، ولكن الله كريم يكني.

مس بدن المرأة لا ينقض مطلقا سواء بشهوة أو بغير شهوة.

*الناقض الخامس:

أكل لحم الإبل..

مطبوخا كان أو نيئا..

لحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت توضأ، وإن شئت لا تتوضأ. قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، توضأ من لحوم الإبل".

-وهذا الحكم تعبدي، فتكون علته مخفية. لأنه تعبدي، علته مخفية ولم ينص الشارع على العلة في ذلك.

**أيضا لا وضوء لمن شرب لبن الجمال أو الإبل أو بولها..

لأن النص إنما جاء في اللحم.

*الناقض السادس:

الردة عن الإسلام..

لقوله تعالى: ".. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (5)" المائدة.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان".

وكل ما أوجب الغسل أوجب الوضوء غير الموت.

-طبعا هي الآية الكريمة التي استدل بها هنا: ".. وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (5)" المائدة.

أيضا يستدل معها بقوله تعالى: "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ...(65)" الزمر.

ورجح بعض المحققين أن الردة ليست من نواقض الوضوء. ولم يقل دليل على أنها حدث من الأحداث.

أما قوله: "..َ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ..(65)" الزمر.

 فهذا يراد به من مات على الكفر، وكلامنا فيمن ارتد ثم رجع إلى الإسلام، فهل ينقض وضوؤه بمجرد الردة؟

فقوله تعالى: ".. لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ..." مشروط بماذا؟

بالموت. كما قال تعالى: "..وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ..(217)" البقرة.

** طبعا إذا شك الإنسان في الوضوء، فإن الشك لا ينقض الوضوء، لأن الشك لا يقضي على اليقين.

فالأصل استصحاب ما هو متيقن حتى ينتقل عنه بيقين أو بغلبة الظن.

وأما الشك الذي هو استواء الطرفين، فإنه لا يقضي على اليقين.

هذه من المسائل الهامة في الوضوء.

..ثم يقول هنا: وكل ما أوجب الغسل أوجب الوضوء غير الموت.

-يعني يشير إلى موجبات الغسل.

يؤخذ من هذه العبارة أن: موجبات الغسل تتضمن بداخلها أيضا ماذا؟

إيجابا للوضوء.

وهذا الحقيقة فيه نظر، لأن: الأقرب هو أن ..

يعني هو هنا معنى كلامه: أن كل ما يوجب الحدث الأكبر، فإنه يوجب الوضوء.

فإذا اغتسل من وجب عليه حدث أكبر. دون أن يتوضأ.

يعني واحد اغتسل لجنابة مثلا أو غير ذلك من الأغسال الواجبة كحدث أكبر، إذا اغتسل دون أن يتوضأ، أو دون أن ينوي رفع الحدث الأصغر. فهل يرتفع حدثه؟

جمهور العلماء يرى أن حدثه يرتفع، بدليل قوله تعالى: "..وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..(6)"، ولم يذكر الوضوء.

فالغسل طهارة.

وأن قال: "..وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ..(43)"، فذكر الغسل ولم يذكر الوضوء.

الدليل الثاني في قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء.

قال صلى الله عليه وسلم: "خذ هذا فأفرغه عليك" كما في البخاري.

ولم يأمره بالوضوء.

فإذاً لو اغتسل من وجب عليه الحدث الأكبر دون أن يتوضأ، أو بمعنى أنه نوى رفع الحدث الأكبر، ولم ينو رفع الحدث الأصغر.

فالجمهور على أنه يرتفع حدثه.

والمشهور عند الحنابلة، هو ما ذكره هنا، وهو أن: ((كل ما أوجب غسلا أوجب وضوءا إلا الموت)).

فلابد لمن أراد أن يرفع الحدث الأكبر أن يتوضأ وأن ينوي رفع الحدث الأصغر.

لأنه إذا قام الحدث الأكبر في البدن، فقد قام الأصغر من باب أولى.

فإذا لم يتوضأ، ولم ينوي رفع الحدث الأصغر، فإن هذا الحدث الأصغر يبقى قائما في البدن.

وطبعا يستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" فما دام هذا لم ينو، إذا لم يحصل له هذا العمل، ويرتفع حدثه الأكبر دون الأصغر.

هذا المشهور عند الحنابلة.

كما ذكرنا أدلة الجمهور: "..وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..(6)"

وقال تعالى: "..وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ..(43)"

وفي قصة الرجل الذي أصابته جنابة ولم توجد ماء قال له: "خذ هذا فأفرغه عليك" ولم يكلفه بالوضوء

أيضا قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: "يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين".

وهذا رواه مسلم

والبعض هنا "ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" ولم يذكر الوضوء.

وصيغة (إنما) تفيد ماذا؟ الحصر.

فهذا أيضا من أدلة مذهب الجمهور.

وقال الحافظ في الفتح: (قام الإجماع على أن الوضوء في غسل الجنابة غير واجب).

المذهب الثالث في هذه المسألة هو مذهب داود الظاهري، حيث قال: (إن فعل الوضوء شرط في صحة الغسل من الجنابة).

واستدل بقوله تعالى: "..وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..(6)" قالوا: إن هذا أمر مجمل ثم جاء بيانه في فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد حافظ على الوضوء قبل الغسل.

والقاعدة أن: ((المبيِّن تابع للمبيَّن في حكمه)).

والجواب على كلام داود الظاهري: أن هذا يصح لو أنه لم يثبت عنه صحة الغسل بلا وضوء.

الأدلة التي استدل بها الجمهور تدل على صحة الغسل بدون الوضوء.

فالراجح في هذه المسألة، أن موجبات الغسل لا توجب إلا الغسل، ولا توجب الوضوء. ولا نيته ولا نية رفع الحدث الأصغر.

فهذا هو التوضيح لهذه العبارة: (وكل ما أوجب الغسل أوجب الوضوء) غير الموت.

يعني موجبات الغسل ستأتي في فقه الغسل، أسباب معينة.

فهو يقول: إن كل ما يوجب الغسل فإنه يوجب في داخله الوضوء.

لا، هو الوضوء من سنن الغسل.

لكن ليس واجبا كما بينا.

*المسألة السابعة:

ما يجب له الوضوء:

..يقول: يجب على المكلف فعل الوضوء للأمور الآتية:

أولا: الصلاة، لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول".

ثانيا: الطواف بالبيت الحرام، فرضا كان أو نفلا. لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه توضأ ثم طاف بالبيت.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام".

ولمنعه الحائض من الطواف حتى تطهر.

ثالثا: مس المصحف ببشرته بلا حائل.

-إذا أراد أن يمس المصحف: هناك فرق بين قراءة القرآن الكريم، وبين مس المصحف.

كلامه على قضية ماذا؟ لمس المصحف الشريف بدون حائل، فهذا مما يجب له الوضوء.

لقوله تعالى: "لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)" الواقعة.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر".

*أما المسألة الثامنة:

فهي ذكر ما يستحب له الوضوء:

-فقلنا ما يجب له الوضوء: الصلاة، الطواف بالبيت الحرام سواء فرض أو نفل، ثم مس المصحف ببشرته بلا حائل.

المسألة الثامنة: ما يستحب له الوضوء:

يستحب الوضوء ويندب في الأحوال التالية:

أولا: عند ذكر الله تعالى وقراءة القرآن.

ثانيا: عند كل صلاة، لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك.

كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة".

يستحب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع. أو أراد النوم أو الأكل أو الشرب.

لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ".

يعني كنوع من تخفيف الجنابة.

إذا كسل عن الغسل فإنه يخفف الجنابة.

لأنه إذا شرع في الوضوء ربما يتشجع على الغسل ولا يؤجله.

ولحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام" وفي رواية: "فأراد أن يأكل أو ينام".

طبعا لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب. فمن ثم على الأقل يخفف الجنابة عن طريق الوضوء أو على الأقل إذا شرع في الوضوء فربما تشجع فأزال الجنابة حتى تدخل الملائكة.

رابعا: الوضوء قبل الغسل:

لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة".

فالوضوء: الغسل هو جزء من الغسل من ماذا؟ من سنن الغسل.

خامسا: كذلك الوضوء عند النوم:

لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقكك الأيمن ..إلى آخر الحديث".

*الباب السادس: في قضية المسح على الخفين والعمامة والجبيرة وفيه مسائل:

يقول:

الخف: هو ما يُلبَس على الرجل من جلد ونحوه.

-يعني الخف ممكن يكون جلد وممكن يكون ماذا؟ شيء آخر خلاف الجلد.

وجمعه: خفاف.

ويلحق بالخفين: كل ما يلبس على الرجلين من صوف ونحوه.

يتعرض للمسألة الأولى وهي:

 حكم المسح على الخفين، ودليله:

يقول: المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة والجماعة.

وهو رخصة من الله عز وجل تخفيفا منه على عباده، ودفعا للحرج والمشقة عنهما.

وقد دل على جوازه السنة والإجماع.

-هل لأحد ملاحظة على هذا؟ هذه الجملة الأخيرة؟

-أحد الحضور:..

-الشيخ: نعم، أين في القرآن؟

-الطالب:..

الشيخ: أحسنت.

هو هنا يقول..

الحقيقة دائما في الكتاب هنا يحاولون أن يخرجوا من الخلافات ويأتوا بالقدر المتفق عليه.

لكن يمكن هنا أن نضيف: وقد دل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع.

أما دليل الكتاب على جواز المسح على الخفين، فهو قراءة الخفض في قول الله تبارك وتعالى: "..وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ..(6)" المائدة.

لأن هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة وأبي بكر عن عاصم.

"..وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ..(6)" المائدة.

طبعا إذا قرأناها بالنصب: "..وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ..(6)" المائدة.

فالنصب يوجب العطف على الوجه واليدين.

يعني هذا في النصب يفيد ماذا؟ عطف مغسول على مغسول: ".. وَأَرْجُلَكُمْ ..".

فيكون: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلَكم.

أما الخفض: فيبين أن الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل. وهما الخفين.

فالخفض يعطف ممسوحا على ممسوح: ".. وَأَرْجُلِكُمْ ..".

بخلاف سائر الأعضاء.

..وقد بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن المسح لا يكون إلا على خف، إذ لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان.

فالقرآن الكريم في قراءة الخفض هنا ".. وَأَرْجُلِكُمْ ..". يدل على مسح الرجلين. لكن السنة بينت ذلك أنه: لا يمكن مسح الرجلين إلا وعليهما الخفان. أو ما في معناهما.

لكن ليس هناك شيء اسمه تمسح على القدمين بدون حائل. كما يفعل الرافضة قاتلهم الله.

وإنما الأمر كما بينا.

وهنا يستعمل في الفقه في هذا الباب من أبواب الفقه: لفظ المنعَّل والمجلَّد.

يقولون..

المنعل: ما جُعِل على أسفله جلدة.

والمجلد: ما جُعِل على أعلاه وأسفله. جلد.

فهذا الفرق بين المنعل والمجلد.

وسيأتي الكلام في ذلك..

المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة والجماعة.

وهو رخصة من الله عز وجل تخفيفا منه على عباده ودفعا للحرج والمشقة عنهم.

وقد دل على جوازه الكتاب والسنة والإجماع.

أما السنة، فقد تواترت الأحاديث الصحيحة على ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وأمره بذلك وترخيصه فيه.

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (ليس في قلبي من المسح شيء).

-لا أشك إطلاقا في مشروعية المسح على الخفين.

(ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم).

والمراد بقوله: (ليس في قلبي أدنى شك) يعني في جوازه، وفي مشروعيته.

وسئل الإمام أحمد على المسح على الجوربين، فقال: (إذا كان ثابتا لا يسترخي مسح عليه).

كما في مسائل ابن هانئ.

وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه مسح على الخفين.

ومن هذه الأحاديث حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه"

قال الأعمش عن إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول (المائدة) يعني: آية الوضوء.

وقد أجمع العلماء من أهل السنة والجماعة على مشروعيته في السفر والحضر لحاجة أو غيرها.

-سواء كان لحاجة أو لغير حاجة.

يقول: وكذلك يجوز المسح على الجورب.

كذلك يجوز المسح على الجوارب. وهي ما يلبس على الرجل من غير الجلد. كالخرق ونحوها.

وهو ما يسمى الآن بالشراب. لأنهما كالخف في حاجة الرجل إليهما. والعلة فيهما واحدة وقد انتشر لبسها أكثر من الخف. فيجوز المسح عليها إذا كانت ساترة.

فهنا يلحق المسح على الجوربين بالمسح على الخفين.

استدل بماذا هنا؟

ما الذي جعلكم تقولون: القياس؟

لأنه ذكر العلة.

متى ما ذكر العلة وقال: العلة فيهما واحدة، معنى ذلك أنه يستدل هنا بماذا؟

بالقياس.

لكن الحقيقة العمدة في جواز المسح على الجوربين، أنه روي المسح على الجوربين عن ثلاثة عشر صحابيا رضي الله عنهم.

أيضا يدل عليه صريح القياس، لأنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.

 

روي عن أنس انه مسح وجهه ويديه ومسح على جوربين من صوف. فقيل له: أتمسح عليهما؟ فقال: إنهما خفان ولكنهما من صوف.

فهنا لا يكون إلحاقا، ولا حتى يكون قياسا. لا  بل الخف لغة عند أهل اللغة من الصحابة، ها هو الخف نفسه يسمى جوربا.

فليس هناك قياس هنا.

واضح؟

كما بين ذلك بعض العلماء.

وحتى ما مسح عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، ليس عندنا دليل واضح أنهما كانا مجلدين، جلد يعني من فوق ومن أسفل.

واضح؟

ولو كان الحكم يختلف بين ما كان مجلدا ..

-قلنا المجلد أي: من فوق جلد ومن تحت جلد.

لو كان الحكم يختلف بين ما كان مجلدا أو غير مجلد، لبين هذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم ينقلون لنا جواز المسح على الجوربين.

ولو كان الحكم يختلف لجاء نهي من الشرع أو من الصحابة عن المسح على الجورب، إذا كان من صوف أو قطن.

فالعام والمطلق يُعمل به على عمومه وإطلاقه.

يقول فيروز أبادي: الجورب: لفافة الرجل.

وقال في (تاج العروس): الجوارب: لفافة الرجل

وقال أبو بكر بن العربي: الجورب غشاءان للقدم من صوف يتخذ للوقاء.

وفي التوضيح للحطاب المالكي قال: الجوارب ما كان على شكل الخف، من كتان أو قطن أو غير ذلك.

وقال في (الروض المربع): الجورب: ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد.

وقال العيني: الجورب هو: الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرودة وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول، يُلبَس في القدم إلى ما فوق الكعب.

 

إذاً: هذه النقول ليس فيها ما يدل على أن الجوارب فيها ما هو منعل أو مجلد، بحيث يمكن أن يدعى أن الجوارب التي مسح عليها النبي صلى الله عليه وسلم كانت منعلة أو مجلدة.

فالأصل في الجوارب ما عرفه أهل اللغة وأهل الفقه، ومن ادعى خلاف هذا فعليه الدليل.

 

أيضا: قالوا: إن الجوارب إذا لم تكن منعلة أو مجلدة، لا يمكن متابعة المشي فيها.

فإذا لم يمكن متابعة المشي فيها فلا يصح المسح عليها.

والجواب عن مثل هذا، أنه لا يوجد دليل على اشتراط إمكان متابعة المشي فيها.

فلا ينبغي أن تُعارض الأدلة الشرعية بمثل هذا التعليل الذي لا دليل عليه. لأنه لا يعارض الدليل الشرعي إلا دليل مثله.

على أننا لا نسلم أنه لا يمكن متابعة المشي عليها، وكونها قد يس..(الدقيقة 26.49) عليها التلف، فهذا أمر غير معتبر ... لأنهم حددوا مسافات، اختلفوا في مسافات ماذا؟ ما هي المسافات التي يمكن متابعة المشي فيها قبل أن يتمزق؟

فما الدليل على مثل هذا؟!

واضح؟

فكون أن التلف يُسرع إليها، هذا أمر غير معتبر لأنه معلوم أن القطن أضعف من الصوف. والصوف أضعف من الجلد. وبعض الجلود أضعف من بعض.

وكل هذا لا تأثير له في الحكم الشرعي ومشقة النزع، بالذات في البرد الشديد كما هي موجودة في الخف، هي موجودة أيضا في الجورب. والحاجة إلى هذه كالحاجة إلى تلك.

فيعني الجورب لا يلحق بالخف اعتمادا على القياس وحده، بل اعتمادا على ما صح من الأحاديث المرفوعة وأفعال الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

ولو لم يأتي إلا فعل الصحابة لكفى به دليلا، لأنهم أعلم بمراد الله وبمراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أهل اللغة ويعرفون معنى الجورب، ومعنى الخف أكثر من غيرهم.

ولذلك قال أنس رضي الله تعالى عنه، عن الجورب: "إنهما خفان ولكن من صوف".

يعني أحاديث المسح على الجوربين وردت مطلقة من غير تقييد بأن تكون منعلة أو مجلدة،وتقييد ما أطلقه الشارع لا يجوز إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع. ولا دليل.

*فمن جهة الأدلة العقلية:

إذا جاز المسح على الخف يجوز المسح على الجورب، لأن كلا منهما لباس للقدم ولا فرق.

فإما أن تكون الجوارب داخلة في مسمى الخف لغة. وإما أن تلحق الجوارب بالخفاف قياسا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يجوز المسح على الجوربين إذا كان يمشي فيهما. سواءا كانت مجلدة أو لم تكن في أصح قولي العلماء

ففي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه.

وهذا الحديث إذا لم يثبت فالقياس يقتضي ذلك.

فإن الفرق بين الجوربين والخفين هو: كون هذا من صوف وهذا من جلد.

ومعلوم أم مثل هذا الفرق غير مؤثر في الشريعة، فلا فرق بين أن يكون جلودا أو قطنا أو كتانا أو صوفا، كما لم يُفرَّق بين سواد اللباس في الإحرام وبياضه.

وغايته أن الجلد أبقى من الصوف، وهذا لا تأثير له. كما أنه لا تأثير لكون الجلد قويا، بل يجوز المسح على ما يبقى وعلى ما لا يبقى.

وأيضا فمن المعلوم أن الحاجة إلى المسح على هذا -الجورب يعني- كالحاجة إلى المسح على هذا  سواءا.

ومع التساوي في الحكمة والحاجة  يكون التفريق بينهما تفريقا بين متماثلين.

وهذا خلاف العدل والاعتبار الصحيح الذي جاء بالكتاب والسنة.

-وسبق أن ذكرنا كلام أنس، حينما قال: "إنهما خفان ولكنهما من صوف"

يعني هو يطلق عليه لغة اسم خف، فيشمله أدلة جواز المسح على الخفين.

-هنا تعليق جميل في الحقيقة للعلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، يقول: المعنى في حديث أنس أدق.

-عندما قال ماذا؟

"إنهما خفان ولكنهما من صوف".

يقول: فليس الأمر قياسا للجوربين على الخفين، بل هو أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة الخفين، بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ على المعاني.

والخفان، ليس عليهما موضع خلاف. فالجوربان من مدلول كلمة الخفين، فيدخلان فيهما بالدلالة الوضعية اللغوية، وأنس بن مالك رضي الله عنه صحابي من أهل اللغة قبل دخول العجمة، واختلاط الألسنة، فهو يبين أن معنى الجلد أعم من أن يكون من الجلد وحده. ولم يأت دليل من الشرع يدل على حصر الخفاف في التي تكون من الجلد فقط.

وقول أنس هذا، أقوى حجة ألف مرة، من أن يقول مثله مؤلف من مؤلفي اللغة، كالخليل والأزهري والجوهري وابن سي..(الدقيقة 31.33) وأضرابهم. لأنهم ناقلون للغة، وأكثر نقلهم يكون من غير إسناد، ومع ذلك يحتج بهم العلماء، فأولى ثم أولى إذا جاء التفسير اللغوي من مصدر من مصادر اللغة، وهو الصحابي العربي من الصدر الأول بإسناد صحيح إليه.

انتهى كلامه رحمه الله تعالى..

 

وليست الأحاديث التي وردت في المسح على الجوربين، ليست كلها ضعيفة، يوجد منها الضعيف، ويوجد منها حديث ثوبان، وحديث بلال وأبي موسى، حتى لو كان في بعضها ضعف لكنه ينجبر بالشواهد، أو في الشواهد.

برفع الآثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في المسح على الجوربين.

ولا يظن بالصحابة أنهم تركوا ظاهر القرآن وخالفوه بالمسح على  الجوربين.

قال ابن القيم: الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويله مسحوا على الجوربين. وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه.

وإذا كان ظاهر القرآن لا ينافي المسح على الخفين، فكذلك أيضا لا ينفي المسح على الجوربين. بجانب أن الحكمة التي شُرِع من أجلها المسح على الخفين، موجودة في المسح على الجورب.

والآن الشائع بين الناس ماذا؟

لُبس الجوارب. والناس في حاجة إليه بالذات في البرد الشديد.

ويمكن طلبة المدارس وبعض الشباب ومن يتنقلون كثيرا ومن في الجيش.

يعني ممكن يكون في التزام خلع الجوارب والوضوء، ما ينفرهم من إقامة الصلاة والمحافظة عليها، فالناس ربما تتواجد في ظروف بالذات البلاد شديدة البرد محتاجة إلى هذا التشريع.

وهذه إشارة اضطررنا إلى التفصيل فيها لأن مسألة مما تعم الحاجة إليها.

نعود إلى الكلام.

..يقول: وكذلك يجوز المسح على الجوارب.

وهي ما يلبس على الرجل من غير الجلد، كالخرق ونحوها وهو ما يسمى الآن بالشراب، لأنهما كالخف في حاجة الرجل إليهما والعلة فيهما واحدة، وقد انتشر لبسها أكثر من الخف. فيجوز المسح عليها إذا كانت ساترة.

*المسألة الثانية:

شروط المسح على الخفين وما يقوم مقامهما.

هوهنا لم يذكر الحقيقة شرطا مهما وهو النية، فإن الراجح في مذهب الجمهور أن النية شرط في طهارة الحدث، وقياس على طهارة الخبث لا يصح.

لأن طهارة الخبث، وهي إزالة النجاسة لا يشترط لها نية. لكن لا تقاس طهارة الحدث على طهارة ماذا؟ الخبث

في حالة المسح على الخفين هل..؟

هو هنا لم يذكر النية لماذا؟

هو له عذر أيضا، لأن هوالأساس أنك تتوضأ، ثم في الآخر تترخص فقط في المسح على الخفين، فنية الوضوء تكفي.

هو من هنا لم يذكر هذا الشرط.

 لماذا؟

لأنه ذكره في الوضوء. وهذه الرخصة نستعملها متى؟ بعدما نغسل كل أعضاء الوضوء نجيء عند القدمين ونمسح.

فإذا أكيد في الوضوء في الأول تكون النية موجودة، ولذلك هو لم يذكرها هنا.

فنية الوضوء كافية، ولا يحتاج المسح على الخفين إلى نية مستقلة، بل هو داخل في نية الوضوء كأفعال الصلاة فالصلاة لابد لها من نية.

 لكن هل الركوع والسجود وكل هذا يحتاج إلى نية؟!

أم يكفي أن تنوي الصلاة؟ بل تكفي نية الصلاة وتدخل فيها إذا أفعال الركوع والسجود وكذلك أفعال الحج، وهكذا..

فلذلك قلنا: لم يذكر شرط النية لأن أصل المسالة أننا نتوضأ، فنية الوضوء تكفي، ولا نحتاج لنية مستقلة للمسح على الخفين.

أما شروط المسح على الخفين وما يقوم مقامهما.

فأولها: لبسهما على طهارة:

لما روى المغيرة، قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين. فمسح عليهما".

-فهنا أول شرط: لابد أن يلبسهما على طهارة

الشرط الثاني: سترهما لمحل الفرض:

 يعني الجزء المفروض غسله من الرجل، وهو إلى الكعبين.

هناك أناس تحسب الكعب هو العقب.

لا، الكعبين: كل قدم فيها كم كعب؟

اثنين. وهما العظمان الناتآن في جانبي أسفل الساق.

سترهما لمحل الفرض: أي المفروض غسله من الرجل. فلو ظهر من محل الفرض شيء لم يصح المسح.

الشرط الثالث: إباحتهما..

لأنه دائما لابد أن يكون الخف ماذا؟

مباحا، لأن الخف المباح يقابله الخف المحرم.

والخف المحرم: إما أنه محرم لحق الله سبحانه وتعالى.

كمثلا: رجل لبس خفا من حرير. فالخف هنا محرم لحق الله. وهو أن الله حرم الحرير على الرجال.

أو المحرم يكون محرما لحق الآدمي، مثل الخف المغصوب أو المسروق.

..يقول: إباحتهما: أي إباحة الخفين فلا يجوز المسح على المغصوب والمسروق ولا الحرير لرجل، لأن لبسه معصية فلا تستباح به الرخصة.

الشرط الرابع: طهارة عينهما:

فلا يصح المسح على النجس، مثلا: الخف متخذ من جلد خنزير مثلا، نجس.

فلا يجوز أن يكون عين الخف نفسه نجس. بل لابد أن تكون طاهرة.

 

الشرط الخامس: أن يكون المسح في المدة المحددة شرعا.

..مقيد بمدة، وهي: للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.

أيضا: لابد أن يكون المسح في الطهارة الصغرى:

لرفع الحدث الأصغر،  لابد ان يكون المسح فقط في ماذا؟ في الحدث الأصغر، ولا يجزئ المسح في الجنابة ولا في غسل الواجب ولا حتى في غسل مستحب.

يغتسل أي غسل مستحب وهو يلبس الخفين؟! لا.

أي غسل لابد أن يكون بدون خفين.

قال صفوان: "كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو كنا مسافرين، لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم".

يعني في الحدث الأصغر، إذا حصل شيء من هذه النواقض: غائط أو بول أو نوم.

.يقول: هذه شروط خمسة استنبطها أهل العلم لصحة المسح على الخفين، من النصوص النبوية والقواعد العامة، لابد من مراعاتها عند إرادة المسح.

**أما المسألة الثالثة: فكيفية المسح وصفته:

طبعا المحل المشروع مسحه: ظاهر الخف.

يعني الجزء الأعلى من الخف، وليس باطنه الذي يلي الأرض، بل من فوق.

المحل المشروع مسحه: ظاهر الخف والواجب في ذلك ما يطلق عليه اسم المسح.

*وكيفية المسح: أن يمسح أكثر أعلى الخف.

يعني لا يشترط أن يشمل كل مساحة ظاهر القدم. لأن هذا المسح أساسا يتم بالأصابع، يبل الأصابع ويمسح.

فحتى في بعض الروايات "أنه ظهر في... خطوط الأصابع"(الدقيقة 40.15).

فغالبا ..(الدقيقة 40.1) تستوعب كل أجزاء ماذا؟

لكن المطلوب هو مسح ماذا؟

أكثر ظاهر الخف.

..أما القول بوجوب استيعاب ظاهره، أن لا تترك (سم) من ظاهر الخف إلا ولابد أن تمسح عليه، فهذا قول شاق جدا.

خاصة أن آلة المسح هي: الأصابع التي تترك خطوطا على ظاهر الخف، فكان أكثره قائما مقام استيعاب ظاهره.

واضح؟

هنا المطلوب أكثر المساحة وليس استيعابها كلها.

عن أيوب قال: "رأيت الحسن بال ثم توضأ، فمسح على خفيه مسحة واحدة، على ظهورهما. قال: فرأيت أثر أصابعه على الخف".

وهذا إسناد صحيح.

إذاً، يقول: وكيفية المسح: أن يمسح أكثر أعلى الخف.

-من يعرب كلمة أعلى؟

إعرب إعراب كامل..

الطالب:...

الشيخ: لأنه ماذا؟ اسم ماذا؟

مقصور.

نعم فهو مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف اللازمة.

..فيسمح أكثر أعلى الخف.

وطبعا المسح يكون مرة واحدة، ولا يكرر.

لماذا؟

لأن شأن المسح التخفيف.

دائما المسح يكون فيه تخفيف. يعني حتى مسح الرأس والأذنين مثلا، مرة واحدة.

وليس ثلاث مرات.

هم؟

فشأن المسح دائما التخفيف، فكذلك مسح الخف مرة واحدة.

..وكيفية المسح: أن يمسح أكثر أعلى الخف، لحديث المغيرة بن شعبة الذي بين فيه وصف مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على خفه في الوضوء، فقال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما".

ولا يجزئ مسح أسفله، وعقبه، ولا يسن.

-يعني لا يسن مسح العقب. وهو ما نسميه ...(الدقيقة 42.26) الكعب، لكن هو اسمه العقب.

فلا يجزئ مسح العقب ولا أسفل الخف، لقول عليه رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه. وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفه"

طيب لو جمع بين الأعلى والأسفل؟ يصح. لكن مع الكراهة، لأنه خالف السنة.

**المسألة الرابعة: مدته

ومدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم، ومن سفره لا يبيح له القصر يوم وليلة.

وبالنسبة للمسافر سفرا يبيح له القصر، ثلاثة أيام بلياليها.

لحديث علي رضي الله عنه قال: "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم".

-إذاً، مدة المسح على الخفين بالنسبة للمقيم، ومن سفره لا يبيح له القصر.

.يعني هو مسافر ولكن ليس المسافة التي تبيح له القصر.

يوم وليلة بالنسبة للمقيم أو من سفره لا يبيح له القصر.

وبالنسبة للمسافر سفرا يبيح له القصر، طبعا هذه سنناقشها بالتفصيل فيما يأتي في قصر الصلاة.

لكن اختلفوا في تحديد هذا السفر الذي يبيح القصر

فمن قائل هو: مسيرة ثلاثة أيام للسير الوسط، ومن قائل أربعة بُرُد يعني ثمانية وأربعين ميلا، وهذا قول الجمهور.

ومن قائل ثلاثة أميال.

ومن قائل: هو ما يطلق عليه عرفا سفرا بدون تقدير، وأقوى الأقوال هما القولان الأخيران: ثلاثة أميال أو ما يطلق عليه سفرا عرفا بدون تقدير مسافة.

إذاً، يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن والمقيم يمسح يوما وليلة

ويوما وليلة يعني ماذا؟

أربعة وعشرين ساعة.

**المسألة الخامسة: مبطلاته:

يقول:: ويبطل المسح بما يأتي:

أولا: إذا حصل ما يوجب الغسل (كجنابة أو حيض أو نفاس) بطل المسح.

لأن أصبح الواجب هنا ماذا؟ الغسل  وليس الوضوء، لجنابة أو نحو ذلك.

فهنا يجب الغسل وبالتالي لا ينفع أن يمسح على الخفين، لا بد في الغسل سواء كان واجبا أو حتى مستحبا.

..إذا حصل ما يوجب الغسل بطل المسح، لحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة"

ثانيا: ..يبطل المسح أيضا إذا ظهر بعض محل الفرض:

لو جزء من محل الفرض -القدم- ظهر يبطل المسح.

فظهور بعض القدم، إذا ظهر بعض القدم بطل المسح.

ثالثا: نزع الخفين يبطل المسح:

ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم.

إذا خلعهما يبطل أيضا المسح.

رابعا: انقضاء مدة المسح مبطل له:

إذا انقضت المدة سواءا للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، أو للمقيم يوما وليلة، إذ مرت المدة ينتهي صلاحية المسح.

لأن المسح مؤقت بزمن معين من قبل الشارع، فلا تجوز الزيادة على المدة المقررة لمفهوم أحاديث التوقيت. فما زاد على ذلك فليس مدة للمسح.

**المسألة السادسة:

ابتداء مدة المسح:

طبعا كما أشرنا أن الراجح هو: عبادة المسح على الخفين عبادة مؤقتة بوقت معين، وقد اختلف الفقهاء في ابتداء مدة المسح.

هو يوجد مدة، ولكن كيف يكون ابتداؤها؟

..يقول: وتبتدئ مدة المسح من الحدث بعد اللبس.

..(الدقيقة 47.14) يعني واحد توضأ ولبس الخفين، واضح؟

متى نحسب مدة اليوم والليلة؟ مدة الأربعة وعشرين ساعة؟ ...(الدقيقة 47.14) من الحدث.. وهذا القول اعتمده هنا..

وهو: (من الحدث بعد اللبس).

فمن توضأ لصلاة الفجر، ولبس الخفين. وبعد طلوع الشمس أحدث ولم يتوضأ، ثم توضأ قبل صلاة الظهر، فابتداء المدة من طلوع الشمس وقت الحدث.

وقال بعض العلماء: ابتداؤها من حيث توضأ قبل صلاة الظهر، يعني من المسح بعد الحدث.

- هو في الحقيقة، المذهب الثاني هذا قد يكون هو الأرجح. والله تعالى أعلم.

لماذا؟

لما نأتي لنتأمل القول الذي اعتمده هنا: إن مدة المسح تبدأ من الحدث بعد اللبس، يعني من أول حدث بعد اللبس: فلو أن واحد -كما قال- صلى الفجر، وتوضأ ولبس الخفين. وبعد طلوع الشمس مثلا على الساعة السابعة أو الثامنة، أحدث ولم يتوضأ. ثم إذا ما جاء وقت صلاة الظهر، توضأ قبل صلاة الظهر، فهو هنا يقول: إن بداية العد من متى؟ من الساعة السابعة صباحا أو الساعة السابعة والنصف التي هي بعد طلوع الشمس لما أحدث.

فتكون البداية من أول حدث بعد اللبس.

فاستدل من قال بأن ابتداء المدة من أول حدث بعد لبس الخفين بحديث صفوان: "كان يأمرنا إذا كنا سفرا أو كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم"

وهو حديث حسن

طبعا الناس الذين قالوا: أن المدة تبدأ من أول حدث بعد اللبس، استدلوا بهذا الحديث.

استدلوا بقوله ماذا؟ "ولكن من غائط وبول ونوم".

فهمهم يفيد أن معنى كلمة "من غائط.."  أن (من) هنا كأنها للابتداء، يعني من أول حصول حدث غائط أو بول أو نوم.

-والجواب عن هذا أن كلمة (من) ليست لأجل بيان ابتداء حساب المدة، ولكنها وردت هنا للتفريق بين الحدث الأصغر والحدث الأكبر.

واضح؟

يعني هذا الحديث لا يتعرض لمدة المسح.

وكلمته عندما يقول: "..إلا من جنابة .." واضح؟ "..ولكن من غائط وبول ونوم".

ليس من غائط يعني من بداية حدوث هذا الحدث، ولكن المقصود ماذا؟

أنه في الجنابة يكون الغسل، ولا ينفع المسح.

ولكن المسح يكون ماذا؟

حتى يفرق، عندما قال: "..لكن من غائط وبول ونوم" أتى بها لأجل ماذا؟

ليفرق بين الحدث الأصغر فإن الخفين لا ينزعان ويكتفى بالمسح عليهما.

أما الحدث الأكبر فيستلزم الغسل فلابد من ماذا؟

من نزعهما.

فهذا العمدة في كلامهم، أن كلمة: "..ولكن من غائط وبول ونوم"، فهموها أنه من ابتداء حدوث غائط، تحتسب المدة.

لا، في السياق حتى يفرق بين ما توجبه الجنابة وهو الغسل، وبين ما يجيزه الحدث الأصغر وهو المسح على الخفين.

هناك مذهب ثالث:

أن مدة المسح تبتدئ من أول صلاة صلاها إلى خمس صلوات مفروضات، لأن هذا هو أقل ما قيل.

وطبعا هذا قول ضعيف مخالف للنص.

..لأن من مسح لصلاة الصبح..

لأنه يقول لك: إن أقل مدة المسح تبدأ من أول صلاة يصليها وحتى يكمل خمس صلوات.

فلو أنه مسح على الخفين لصلاة الفجر، واضح.

سيصلي به كم صلاة؟

يعني على هذا القول: متى تنتهي المدة؟

بصلاة العشاء.

إذاً: هل ينفع أن يصلي به الوتر بالليل؟

لا ينفع.

مع أنه ما زال لم يمر يوم وليلة.

فهذا القول، يقول هذا أقل ما ورد أن يكون لخمس صلوات.

فمعنى ذلك من الناحية العملية أن من مسح على صلاة الفجر وسيصلي بهم خمس صلوات، فسوف تنتهي المدة مع صلاة العشاء. فإذا أراد أن يصلي الوتر فلا يصلح أن يتوضأ ويستمر على هذا المسح.

فلا يجوز له أن يمسح ولا أن يصلي به الوتر.

فتكون المدة هنا يوما وبعض ليلة.

وهذا مخالف ل.."..يوم بليلة.." التي جاءت في الحديث.

..فيقول هنا: وقال بعض العلماء: ابتداؤها من حيث توضأ قبل صلاة الظهر.

اي من المسح بعد الحدث.

هذا هو الأرجح: أن المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث.

يعني المثال: الذي ضربه للذي صلى الفجر وتوضأ ولبس الخفين، ثم أحدث بعد طلوع الشمس الساعة الثامنة مثلا، ولم يتوضأ..

ثم جاء قبل صلاة الظهر وتوضأ.

فهنا المدة تحسب منذ متى؟

منذ أن توضأ قبل صلاة الظهر.

واضح؟

فإذاً المدة تبتدئ من أول مسح بعد الحدث.

 لأن هذا هو القول الذي يصدق عليه إنه مسح يوما وليلة.

للمقيم.

يوم وليلة.

لحديث علي رضي الله تعالى عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نمسح على الخفين ثلاث ليال والمقيم يوما وليلة"

وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه مرفوعا: "يمسح المسافر على الخفين ثلاث ليال، والمقيم يوما وليلة".

إذاً: الوقت في ذلك، وقت المسح وليس وقت الحدث.

يمسح

انتبهوا لهذا..

يمسح المسافر على الخفين ثلاث ليال. ويمسح المقيم يوما وليلة..

يمسح..

فيكون هنا الوقت في ذلك هو وقت المسح نفسه وليس وقت الحدث.

والقول بأن: ابتداء المدة من الحدث ليس عليه دليل. فلم يرد في الأحاديث ذكر للحدث أصلا، فيتعين الأخذ بظاهر الأحاديث أنها مرتبطة بماذا؟

أن المدة تحتسب من أول مسح بعد الحدث.

..ومدة الرخصة للمقيم: أن يمسح يوما وليلة.

يعني أربعة وعشرين ساعة.

لو قلنا: إن ابتداء المدة من الحدث سيكون المسح أقل من يوم وليلة. فنخالف الحديث.

فمن صلى العشاء ثم توضأ، ثم لما أتى الفجر مسح، تكون مدة المسح هنا ماذا؟

يوما وبعض ليلة.

فلا تكون مدة مسحه يوما وليلة إلا إذا اعتبرنا المدة من ابتداء المسح.

أول مسح بعد الحدث.

..وعن أبي عثمان المهدي قال: "حضرت سعدا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين، فقال عمر: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته"

-ولا شك أن عمر أعلم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ممن بعده.

إذاً، طبعا هو الخلاف معتبر، يعني هو ما اعتمده أيضا قول معروف، أن المدة تبتدئ من الحدث، من أول حدث بعد اللبس.

يَرِد عليها أن هذه ستكون أقل من أربعة وعشرين ساعة

لكن الأرجح والله تعالى أعلم أن المدة تحتسب من أول مسح بعد الحدث.

**المسألة السابعة: المسح على الجبيرة والعمامة وخُمُرِ النساء:

..يقول: الجبير هي: أعواد ونحوها كالجبس مما يربط على الكسر ليجبر ويلتئم ويمسح عليها.

-طبعا في الجبيرة يجب استيعاب الجبيرة كلها في المسح.

الجبيرة تستوعب كلها بالمسح.

..كذلك يمسح على اللصوق واللفائف التي توضع على الجروح، فكل هذه الأشياء يمسح عليها بشرط أن تكون على قدر الحاجة، فإن تجاوزت قدر الحاجة لزمه نزع ما زاد على الحاجة.

..ويجوز المسح عليها في الحدثين الأكبر والأصغر، وليس للمسح عليها وقت محدد. بل يمسح عليها إلى نزعها أو شفاء ما تحتها.

-هناك فرق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين.

فيجوز المسح عليـ ...(الدقيقة 56.53)في الحدثين الأكبر والأصغر,

ملحوظة للمفرغ: برجاء تدقيق كلمة (عليهما)، إذ الظن أنها (عليها).

طبعا أصلا المسح على الجبيرة لابد أن يكون الغسل فيه مما يضر العضو أو الجروح، بخلاف المسح على الخفين، ليس شرطا أن يكون مضطرا، وليس شرطا حتى أن يكون محتاجا..

فيجوز المسح عليهما في الحدثين الأكبر والأصغر.

في حين المسح على الخفين فقط في الحدث الأصغر

وليس للمسح عليها وقت محدد، بل يمسح عليها إلى نزعها أو شفاء ما تحتها.

والدليل على ذلك أن: المسح على الجبيرة ضرورة والضرورة تقدر بقدرها، ولا فرق فيها بين الحدثين.

-وإن كان في قضية المسح على الجبيرة: بعض العلماء وبعض المحققين ذهبوا إلى أن التيمم أرجح من المسح.

يعني بدلا من المسح على الجبيرة يتيمم..

لأن الآية في سورة المائدة: "..وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ..(6)" المائدة

فالجرح هذا مرض.

واضح؟

فالأقرب أنه يتيمم ولا يمسح على الجبيرة، فهذا مرض يبيح التيمم.

لأنه سبحانه وتعالى قال: "..وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى .. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ..".

طبعا ".... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً  .." أو عجزتم عن استعمال الماء كما في الجروح.

..وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا أجنب الرجل وبه الجراح والجدري فخاف على نفسه إن هو اغتسل. قال: يتيمم بالصعيد".

وهذا الأثر حسن

..يقول: كذلك يجوز المسح على العمامة، وهي: ما يعمم به الرأس ويكور عليه.

والدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وعلى الناصية والخفين"

وحديث أنه صلى الله عليه وسلم "مسح على الخفين والخمار"

والخمار هنا المقصود به: العمامة

والمسح عليها ليس له وقت محدد، ولكن لو سلك سبيل الاحتياط فلم يمسحها إلا إذا لبسها على طهارة وفي المدة المحددة للمسح على الخفين لكان حسنا.

 

أما خمار المرأة: وهو ما تغطي به رأسها، فالأولى ألا تمسح عليه إلا إذا كان هناك مشقة في نزعه. أو لمرض في الرأس أو نحو ذلك.

ولو كان الرأس ملبدٌ بحناء أو غيره فيجوز المسح عليه. لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وعموما طهارة الرأس فيها شيء من التسهيل والتيسير على هذه الأمة.

-فالمسح على الخمار، إما أنه داخل في العموم اللفظي من جواز المسح على العمامة، وإما أنه مقيس عليه بجامع أن كلا منهما غطاء على الرأس يشق نزعه.

والله تعالى أعلم.,

*الباب السابع في الغسل:

وفيه مسائل..

الأولى: معنى الغسل وحكمه ودليله.

 

أولا: الغسل لغة، مصدر من غسل الشيء يغسله غَسلا وغُسلا.

وهو تمام غسل الجسد كله.

ومعناه شرعا: تعميم البدن بالماء أو استعمال ماء طهور في جميع البدن على صفة مخصوصة على وجه التعبد لله سبحانه.

حكمه: والغسل واجب إذا وُجِد سببٌ لوجوبه، لقوله تعالى: "..وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..(6)" المائدة

والأحاديث التي ورد فيها كيفية الغسل عن عدد من الصحابة نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على وجوبه. وسيأتي طرف منها قريبا إن شاء الله.

*موجبات الغسل:

يجب الغسل للأسباب الآتية:

أولا: خروج المني من مخرجه.

ويشترط أن يكون دفقا بلذة من ذكر أو أنثى.

-طبعا خروج المني من مخرجه المقصود به في يقظة أو نوم، لكن لابد أن يكون بالخروج المعتاد المعروف.

وهو أن يكون دفقا بلذة.

لابد

دفقا:  لأن "خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)" الطارق

بلذة، وإلا لو كانت حالة مرضية ولا يوجد فيه هذا المعنى فلا توجب الغسل.

يقول تعالى: "..وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..(6)" المائدة

ولقوله صلى الله عليه وسلم لعلي: "إذا فضخت الماء فاغتسل"

. فضخ الماء يعني: دفقه.

والمراد به: المني.

ما لم يكن نائما ونحوه، فلا تشترط اللذة. لأن النائم قد لا يحس به.

ولقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل: "هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء"

وهذا كله مجمع عليه.

الموجب الثاني: تغييب حَشَفَة الذكر كلها أو قدرها في الفرج وإن لم يحصل إنزال بلا حائل:

لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان وجب الغسل".

-لكن لا يجب الغسل في هذه الحالة إلا على ابن عشر أو بنت تسع فما فوقها.

..ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم القول بعدم وجوب الغسل بالتقاء الختانين.

فيحتمل أن هذا نسخ فيما بعد، والأحاديث التي تدل على وجوب الغسل ناقلة عن البراءة الأصلية. فهي مقدمة على غيرها، ولذلك قال البخاري: (الغسل أحوط).

-هذا فيما يتعلق بمسألة التقاء الختانين.

السبب الثالث الذي يوجب الغسل: إسلام الكافر ولو مرتدا:

لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل.

هنا يذهب إل وجوب الغسل على الكافر ولو كان مرتدا.

في الحقيقة، لم يخلو حديث يوجب الغسل على الكافر إذا اسلم من كلام في صحته.

والأحكام لا تثبت إلا بدليل صحيح.

فعامة أدلة وجوب الغسل هنا، أدلة ضعيفة.

ثم إن كثيرا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أسلموا ولم يُنقَل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالغسل، ولو كان الغسل واجبا لكان هذا الحكم شائعا مشهورا. لحاجة الناس إليه، ولجاءت به النصوص الصحيحة.

لأنه ما من أحد أسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويحتاج إلى معرفة هذا الحكم. فكونه ينفرد بهذا الحكم -قصي بن قيس- وهو غير معروف، ولم يرو عنه إلا ابنه يجعل بالنفس شيئا من إيجاب مثل هذا الحكم.

كذلك حديث ثمامة للأمر بالغسل، هذه رواية شاذة مخالفة لرواية الصحيحين وغيرهما.

لم يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالغسل لمن أراد أن يُسلم.

أيضا الرسول عليه الصلاة والسلام بعث معاذا إلى اليمن ليدعو أهل الكتاب إلى الإسلام وأخبره بأن يدعوهم إلى الشهادتين ثم إلى الصلاة ثم إلى الزكاة وهكذا. ولم يخبره بأن من أسلم فعليه أن يغتسل، ولو كان لزاما على كل كافر دخل في الإسلام أن يغتسل لنبه الرسول صلى الله عليه وسلم معاذا إلى هذا.

-والحديث معروف: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى كذا. فإن هم أطاعوا أخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات إلى آخره..".

لم يذكر في هذه الوصايا هذه المسألة.

وحتى لو صح أمر الاغتسال فيحمل على الاستحباب، للقرائن التي ذكرنا، وهو أنه أسلم أناس كثيرون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُنقَل أنه أمرهم بالغسل. فهذه قرينة صارفة للأمر إذا ثبت عن الوجوب إلى الاستحباب.

نعم.

بعض العلماء قالوا: إن الكافر يجب عليه الغسل فقط إذا كان جُنُبا حال كفره.

إذا كان جنبا حال كفره وأسلم فكما لو أنه بال في حال كفره ثم أسلم، فإذا أراد الصلاة فلابد له من ماذا؟

من الوضوء.

فإذا كان هذا في الحدث الأصغر فكذلك في الحدث الأكبر.

فإذا أجنب قبل أن يسلم ثم أسلم فإنه يلزمه الغسل قياسا على البول.

والجواب على هذا ممن لم يوجبوا الغسل مطلقا، قالوا: إن الله سبحانه وتعالى قال: "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ..(38)" الأنفال

وفي حديث عمرو: "الإسلام يهدم ما قبله".

وقد أسلم خلق كثير لهم الزوجات والأولاد ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل وجوبا ولو وجب لأمرهم به.

والكافر إذا أسلم لا يطالب بقضاء الصلاة ولا بقضاء الصوم.

كذلك لا يُطلب بما فعله حال كفره قبل أن يلتزم أحكام الإسلام.

أما القياس على البول، فهو قياس مع الفارق.

فهو لم يجب عليه الوضوء للصلاة بسبب الحدث السابق حال كفره، وإنما هو مخاطب عند القيام إلى الصلاة بأن يكون على طهارة.

وهو لم يفعلها، والله سبحانه وتعالى يقول: "……..

-على أي الأحوال: أقرب الأقوال إلى الصحة في هذه المسألة والله تعالى أعلم القول بعدم الوجوب.

أما أن يقال: الاستحباب.  لا بأس. لكن في كل الأحوال ينبغي التنبه إلى أننا لا نعطِّل رجلا كافرا أتى يريد أن يسلم نقول له: لا، اغتسل أولا، ثم تعالى.

لأن أصلا الغسل، أليس من ضمن واجباته النية؟ وهل هو قبل أن يُسلِم يصلُح منه غسل؟! يصح منه غسل؟ فكيف نعطل إسلامه؟ ممكن الرجل يموت قبل أن يشهد الشهادتين. فالمفروض أن نشجع أي شخص يريد الإسلام على المبادرة ولا نؤجل، ولا نقول له ماذا؟ انتظر حتى تغتسل. في سبيل حتى لو أنه شيء مستحب، هل نعطله عن قرار مصيري؟ خلود في جنة أو في نار؟! ولا يقول الشهادتين من أجل غُسل مستحب؟! الذي في أقصى أحواله أن يكون مستحبا؟! فإذا لا ينبغي أن يُعطَّل إسلام من أراد الدخول في الإسلام بحجة أنه يغتسل.

الموجب الرابع: انقطاع دم الحيض والنُفاس:

لحديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حُبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي".

والنفاس كالحيض بالإجماع.

-فهو في الحقيقة التعبير هنا دقيق (انقطاع) يعني هو مجرد خروج الدم موجب للغسل. لكن انقطاعه شرطا للصحة.

من أجل ذلك يقول هناك ماذا؟ انقطاع دم الحيض والنفاس حتى يصح الغسل.

فهو خروج الدم يوجب الغسل، لكن انقطاعه شرط للصحة. وهذا الوجوب على التراخي وليس على الفور.

طبعا إذا ضاق وقت العبادة فيكون على الفور.

خامسا: الموت: مما يوجب الغسل الموت.

طبعا الموت غير الشهيد.

هذا في حق غير الشهيد. فإن الشهيد لا يجب تغسيله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث غسل ابنته زينب حين توفيت: "اغسلنها..".

-طبعا هذا أمر ظاهره الوجوب.

وقال في المحرم: "اغسلوه بماء وسدر".

ولم ينقل عن أحد من المسلمين أنه مات فدفن من غير غسل إلا الشهداء.

وهذا الأمر تعبدي.

غسل الميت تعبدي، وليس لرفع حدث.

لأن المسلم طاهر، فالمؤمن طاهر حيا أو ميتا.

واضح؟

فالمسلم طاهر، ولا يطهر الطاهر.

وإنما هذا أمر ماذا؟ تعبدي. لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه.

لو كان الموت نفسه حدث، والغسل هنا المقصود به تطهير الميت. سبب الحدث موجود أم غير موجود؟ حتى لو غسلناه، وهو أنه صار ميتا.

لو كان الموت نفسه حدث. واضح؟

فلو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه.

فإذا هذا الأمر كما ذكرنا تعبدي، لأن المسلم طاهر والطاهر لا يطهر. لكننا نتعبد بطاعة الله أو الشريعة في مثل هذا.

**المسألة الثانية:

في صفة الغسل وكيفيته:

للغسل من الجنابة كيفيتان:

كيفية استحباب وكيفية إجزاء..

وكيفية الإجزاء: هي التي تشتمل على الواجب فقط.

على واجبات الغسل.

أما كيفية الاستحباب والكمال: فهي التي تشتمل على الواجب والمسنون.

..يقول: أما كيفية الاستحباب:

*فهي أن يغسل يديه

*ثم يغسل فرجه وما أصابه من الأذى

*ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. (يمكن أن يتوضأ وضوءا كاملا ويمكن أن يؤخر غسل القدمين إلى آخر الغسل ).

*ثم يأخذ بيده ماءا فيخلل به شعر رأسه، مدخلا أصابعه في أصول الشعر حتى يروي بَشَرَتَه، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات ثم يفيض الماء على سائر بدنه، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المتفق عليه.

وأما كيفية الإجزاء:

*أن يعم بدنه بالماء ابتداءا مع النية.

واضح؟

لحديث ميمونة: "وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وَضوء الجنابة فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض الماء على رأسه ثم غسل جسده فأتيته بالمنديل فلم يُرِدها وجعل يَنفُض الماء بيديه".

ومثله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه: "..ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد رَوَى -أو رَوَّى- بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده".

*ولا يجب على المرأة نقض شعرها للغسل من الجنابة، ويلزمها ذلك في الغسل من الحيض لحديث أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين".

**ثم يشرع في ذكر الأغسال المستحبة:

..يقول: تقدم بيان الأغسال الواجبة..

وأما الأغسال المسنونة والمستحبة فهي:

أولا: الاغتسال عند كل جماع.

لحديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه. قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله واحدا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر".

ثانيا: الغسل للجمعة.

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل".

وهو آكد الأغسال المستحبة.

آكد الأغسال المستحبة.

-نقول: بل القول بوجوبه قول قوي، لأنه ظاهر الأحاديث.

والقائلون بالسنية يحتاجون إلى تأويل هذه الأحاديث وصرفها عن ظاهرها لمعارض ليس من القوة بحيث نضطر إلى تأويل النصوص عن ظاهرها.

ومع القول بوجوب الغسل -غسل الجمعة- فإن من صلى بدون أن يغتسل فصلاته صحيحة. حتى لو تركه بدون عذر. لأن الغسل واجب وليس شرطا في صحة صلاة الجمعة.

ووجوب الغسل إنما كان من أجل النظافة وإزالة العرق وليس عن حدث. والله تعالى أعلم.

-طبعا غسل الجمعة مشروع في حق من حضر الجمعة من الرجال والنساء البالغين.

النوع الثالث من الأغسال المستحبة: الاغتسال للعيدين:

فإنه ثبت عن علي بن أبي طالب من قوله رضي الله عنه، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، وأيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ولوجود معنى الجمعة في صلاة العيد وهو الازدحام، كي لا يتأذى الناس من ماذا؟

العرق.

ويكون الغسل للنظافة.

ولعدم أذية الملائكة.

رابعا: الاغتسال عند الإحرام بالعمرة أو الحج:

حتى الحائض والنفساء تغتسل أيضا عند الإحرام.

فإنه صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه.

خامسا: الغسل من غسل الميت:

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من غسل ميتا فليغتسل".

هذا على سبيل ماذا؟

الاستحباب.

ومن حمله.. فليتوضأ. أيضا على سبيل الاستحباب.

 

من الأغسال المستحبة أيضا..

سادسا: الاغتسال لدخول مكة قبل الطواف:

 من أجل الطواف وازدحام الطائفين، كصلاة الجمعة.

منها أيضا..

سابعا: الغسل لعرفة..

ثبت من قول علي ومن فعل ابن عمر رضي الله عنهم.

** المسألة الرابعة:

الأحكام المترتبة على من وجب عليه الغسل:

..يمكن إجمالها فيما يلي:

*لا يجوز له المكث في المسجد إلا عابر سبيل.

من وجب عليه الغسل، لا يجوز له أن يمكث في المسجد إلا عابر سبيل لقوله تعالى: "..وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ..(43)" النساء

والآية : "..إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ..(6)" المائدة

فهل في الصلاة عبور سبيل، أم أن عبور السبيل يكون في أماكن الصلاة والمساجد.

فمن ثم نقول: "..وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ..(43)" النساء

فيكون في أماكن الصلاة نفسها.

فإذا توضأ جاز له المكث في المسجد.

يعني لو جنب مثلا ولابد أن يمكث في المسجد فيتوضأ، يخفف ماذا؟

الحدث.

..لثبوت ذلك عن جماعة من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ولأن الوضوء يخفف الحدث والوضوء أحد الطهورين.

ثانيا: لا يجوز له مس المصحف: لقوله تعالى: "لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)" الواقعة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس المصحف إلا طاهر"

*ثالثا: لا يجوز له قراءة القرآن:

فلا يقرأ الجنب شيئا من القرآن حتى يغتسل.

لحديث علي: "كان صلى الله عليه وسلم لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلا الجنابة".

ولأن في منعه من القراءة حثا له على المبادرة إلى الاغتسال وإزالة المانع له من القراءة.

-بعض العلماء رجح جواز قراءة القرآن وله أدلة قوية على ذلك وهو مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه.

*ثالثا:

..ويحرم عليه أيضا الصلاة

"..وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..(6)" المائدة

بعدما قال:  ".. إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ .."

*رابعا:

كذلك يحرم عليه الطواف بالبيت:

..ثم ينتقل إلى الكلام على مسائل ..

التيمم

وهو الباب الثامن:

والتيمم لغة: القصد.

وشرعا: هو مسح الوجه واليدين بالصعيد الطيب على وجه مخصوص تعبدا لله تبارك وتعالى.

..فمن ناحية اللغة التيمم ما معناه؟

القصد.

"وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ..(267) .." البقرة.

*أما حكم التيمم:

فالتيمم مشروع، وهو رخصة من الله عز وجل لعباده، وهو من محاسن هذه الشريعة ومن خصائص هذه الأمة.

لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)" المائدة

وقال صلى الله عليه وسلم: "الصعيد الطيب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك"

وقال صلى الله عليه وسلم: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"

..وقد أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم إذا توفرت شرائطه، وإنه قائم مقام الطهارة بالماء. فيباح به ما يباح بالتطهر بالماء من الصلاة والطواف وقراءة القرآن وغير ذلك ..

وبذلك تثبت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع.

- طبعا التيمم يقوم مقام الماء في كل شيء عند فقده.

لأن البدل له حكم المبدَل، إلا أن رفعه للحدث يكون إلى غاية وجود الأصل.

وهو الماء.

فإذا وجود الماء عاد إليه حدثه ووجب عليه رفع الحدث بالماء. والله تعالى أعلم.

بناء على هذا، يجوز أن يؤم المتيمم غيره من المتوضئين.

لأن مادام هو معذور في التيمم وشروط الرخصة موجودة، فالتيمم يقوم تماما مقام الماء إلى حين وجود الماء..(الدقيقة 01.19.46).

*المسألة الثانية:

شروط التيمم والأسباب المبيحة لها:

يباح التيمم عند العجز عن استعمال الماء.

العجز عن استعمال الماء، إما لفقده وإما لخوف الضرر من استعماله، لمرض في الجسم أو شدة برد.

لحديث عمران بن حصين: "عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك"

ويصح التيمم بالشروط الآتية:

- النية:

وهي نية استباحة الصلاة.

والنية شرط في جميع العبادات. والتيمم عبادة.

فالنية شرط في طهارة الحدث مطلقا، سواء كانت الطهارة بالماء أو التراب.

فالتيمم كما ذكرنا يقوم مقام الماء لأنه بدل عنه.

فإذا نوى بالتيمم فرض التيمم، فقد أتى بما يجب عليه.

-طيب إذا نوى الصلاة بتيممه ارتفع حدثه الأصغر والأكبر لأنه يلزم من نية الصلاة ارتفاع الحدث.

إذا نوى ارتفاع الحدث الأصغر يرتفع الحدث الأصغر فقط.

-طيب إذا نوى ارتفاع الحدث الأكبر، يدخل فيه الحدث الأصغر.

-الشرط الثاني بعد النية: الإسلام:

فلا يصح من كافر لأنه عبادة.

فالكافر ليس من أهل النية.

الشرط الثالث: العقل:

فلا يصح من غير العاقل. كالمجنون والمغمى عليه.

 

-الشرط الرابع: التمييز:

فلا يصح من غير المميز وهو من كان دون السابعة.

-هو التمييز قالوا: الشخص المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولا ينضبط بسن بل يختلف باختلاف الناس.

قيل هو: من يصل إلى حالة بحيث يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده.

ولا يتقيد سن التمييز بسبع سنين.

تتفاوت..

هناك تفاوت.

لكن حاولوا ضبطه بمن كان دون السابعة، لأن الغالب أن هذا هو مظنة ذلك.

- الشرط الخامس للتيمم:

تعذر استعمال الماء، إلا لعدمه.

كما قال تعالى: "..فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ..".

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير".

أو لخوفه الضرر باستعماله، إما لمرض يخشى بزيادته أو تأخر شفائه باستعمال الماء.

لقوله تعالى: "..وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى .." إلى قوله تعالى: ".. فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا .."

ولحديث صاحب الشجة وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "..قتلوه قتلهم الله. هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال".

أو لشدة برد يخشى معه الضرر أو الهلاك باستعمال الماء.

لحديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: "احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي صلاة الصبح"

-سادسا: أن يكون التيمم بتراب طهور غير نجس.

يعني لو هناك تراب أصابه بول ولم يطهر منه لا يجوز. فلابد أن يكون بتراب طهور غير نجس له غبار يعلق باليد إن وجده.

لقوله تعالى: "..فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ..".

قال ابن عباس: الصعيد تراب الحرث..(الدقيقة 01.23.34)، والطيب: الطاهر.

فإن لم يجد ترابا تيمم بما يقدر عليه من رمل أو حجر، لقوله تعالى: "..فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ..(16)" التغابن

قال الأوزاعي: الرمل من الصعيد.

-كلمة الصعيد اسم مشترك يطلق على التراب ويطلق على وجه الأرض، فلا يختص بالتراب.

*المسألة الثالثة:

مبطلات التيمم:

الأشياء التي تفسد التيمم وتبطله ثلاثة:

أولا: يبطل التيمم عن حدث أصغر لمبطلات الوضوء، وعن حدث أكبر لموجبات الغسل من جنابة وحيض ونفاس.

فإذا تيمم عن حدث أصغر ثم بال أو تغوط بطل تيممه. لأن التيمم بدل عن الوضوء. والبدل له حكم المبدَل.

وكذا التيمم عن الحدث الأكبر.

ثانيا: وجود الماء:

إن كان التيمم لعدم وجود الماء لحديث: "..فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك"

-ففي هذه الحالة، إذا وجد الماء انتهى ويعود إليه الحدث.

..فإذا وجد الماء قبل التلبس بالعبادة وجب عليه استعمال الماء.

"..إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا.."

فإذا الماء وجد قبل أن يتلبس بالعبادة، وقبل أن يدخل في الصلاة يجب عليه استعمال الماء.

وذلك مشروط بأن يدرك من الوقت ما يتسع لأن يتطهر بالماء ويصلي قبل خروج الوقت، أما إذا ضاق الوقت فإنه يصلي بالتيمم حتى لو وجد الماء قبل الدخول في الصلاة.

لأن حرمة الوقت يعني أوكد.

لذلك هنا مسألة: إذا خشي خروج الوقت لو توضأ، فهل يتيمم ليدرك الوقت؟ أو يتوضأ ولو صلى خارج الوقت؟

هنا مذاهب:

مشهور مذهب مالك أنه يتيمم ويصلي للوقت.

لأن الشريعة احتفت واهتمت جدا بموضوع ماذا؟ الوقت.

والدليل على ذلك أن الصلاة أثناء القتال احتراما للوقت فيها ترك لبعض الشروط، لأنه لو يحارب وهو يقاتل فهناك شرط استقبال القبلة مثلا ممكن يتخلى عنه، يترك شروط كاستقبال القبلة.

الإيماء بدل الركوع والسجود من أجل المحافظة على الوقت.

إذاً الوقت أولى بالمراعاة من الطهارة المائية.

والرسول عليه الصلاة والسلام حينما أتى من نحو بئر جمل -كما في الحديث- وسلم عليه الرجل، فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد عليه السلام.

كره أن يرد عليه السلام بدون طهارة، فتيمم في الحضر مع وجود الماء، كي لا يفوته رد السلام.

كذلك إذا خشي فوات الفريضة تيمم لإدراك الوقت ولو وجد الماء.

فمشهور مذهب الإمام مالك: أنه يتيمم ويصلي بالوقت. مع وجود الماء.

مذهب بعض المالكية والحنفية والحنابلة: تقديم الطهارة على تحصيل الوقت.

فقالوا: يتوضأ ولا يتيمم ولو خرج الوقت بسبب وجود ماذا؟ الماء

توسط شيخ الإسلام ابن تيمية وفصل المسألة فقال: يفرَّق بين النائم والناسي. وبين غيرهما.

فإذا كان هذا التأخير حتى ضاق الوقت بسبب أنه كان نائما أو ناسيا، فإنه يتوضأ ولو خرج الوقت.

لماذا؟

لأن الوقت في حقه من حين الاستيقاظ.

"ليس في النوم تفريط".

أو "من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها -أو فليصليها- إذا ذكرها"

فهذا معذور ، فبالتالي يقدم الوضوء بالماء حتى لو خرج الوقت، لأن هذا وقت في حقه، هذا هو أول الوقت في حقه.

أما إذا لم يكن نائما ولا ناسيا، فإنه يتيمم لإدراك الوقت.

أيضا..

يجوز التيمم لمن خاف فوات الصلاة على الجنازة أو العيد. ويشق عليه أن يصلي مع الجنازة بعد المقبرة أو على القبر.

والدليل تيمم النبي صلى الله عليه وسلم لرد السلام، مع وجود الماء. وهذا كان في الحضر.

فإذا خشي أن تفوته صلاة العيد أو صلاة الجنازة فيتيمم ويدركها.

أما إذا كان يستطيع أن يصلي عليها في المقبرة أو عند القبر فلا داعي لماذا؟ للتيمم.

إذا شق عليه ولم يستطع ذلك فيتيمم ويدرك صلاة الجنازة.

*المسألة الرابعة:

صفة التيمم:

كيفية التيمم:

أن ينوي

ثم يسمي

ويضرب الأرض بيديه ضربة واحدة.

ثم ينفخهما أو ينفضهما.

ثم يمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين.

-فإذا ينوي بقلبه التيمم ثم يسمي ويضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ثم ينفخهما أو ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين.

لحديث عمار، وفيه: "التيمم ضربة للوجه والكفين".

وحديث عمار: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله (..الدقيقة 01.29.45)وظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه".

-هو في هذه الرواية الوجه، يعني ظهر الكفين بالشمال هكذا، ثم مسح ، ولكن الرواية الأولى هي الأقرب: "يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ثم ينفخهما ثم يمسح بهما وجهه ويديه".

كما في الوضوء إلى الرسغين.

وفي الحديث: "التيمم ضربة للوجه والكفين".

ننتقل بعد ذلك إلى باب: النجاسات، وكيفية تطهيرها..

وفيه مسائل:

أولا: بالنسبة لتعريف النجاسة:

النجاسة: هي كل عين مستقذرة أمر الشارع باجتنابها.

وهي نوعان:

نجاسة عينية، أو حقيقية.

التي هي: نجاسة الخبث.

حاجة عينية لها جِرم

النجاسة العينية أو الحقيقية، نجاسة الخبث، وهي: التي لا تطهر بحال لأن عينها نجسة. كروث الحمار والدم والبول.

النوع الثاني: نجاسة حكمية، وهي أمر إعتباري يقوم بالأعضاء، ويمنع من صحة الصلاة، ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء كالغائط، والحدث الأكبر الذي يزول بالغسل كالجنابة.

-فالنجاسة الحكمية تزول.إذا كانت حدثا أصغر بالوضوء، أو أكبر فيزول بماذا؟ بالغسل.

لكن النجاسة العينية: لا يمكن أن البول نفسه يطهر. هو عينه نجسة.

هم؟

..والأصل الذي تزال به النجاسة هو الماء.

فهو الأصل في التطهير.

-يعني الأصل في إزالة النجاسة هو الماء.

لقوله تعالى: "..وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ..(11)" الأنفال

وفي الحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء ولو عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته"

-لو كان ينفع شيء غير الماء في إزالة النجاسة لأمرنا به. فدل على أنه لا شيء يقوم مقام الماء في التطهير.

فالأصل في التطهير هو استعمال الماء.

وهي على ثلاثة أقسام:

-هي: يعني باعتبار كيفية التطهير.

لأن النجاسات تقسم أنواع، طبقا لاعتبارات متعددة.

فإذا تكلمنا من حيث اعتبار كيفية التطهير، على ثلاثة أقسام:

*نجاسة مغلظة: وهي نجاسة الكلب مثلا والخنزير وما تولد منهما.

فالنجاسة المغلظة كيف تطهَّر؟

تحتاج إلى تسبيع وتتريب.

وإن كان سنبين أن نجاسة الخنزير الأقرب أنها لا تحتاج للتسبيع والتتريب لعدم وجود نص.

النص جاء في الكلب. والمسألة فيها كلام..

*النجاسة المخففة: هي نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام.

وهو الرضيع الذكر. فإنه يكفي في طهارة بوله النضح.

فهذه نجاسة مخففة.

*وهناك نجاسة متوسطة: وهي سائر النجاسات أو بقية النجاسات كالبول والغائط والميتة.

**المسألة الثانية: الأشياء التي قام الدليل على نجاستها:

أولا: بول الآدمي وعذرته وقيؤه.

بول الآدمي: طبعا المقصود به الآدمي الكبير.

وعذرته، وقيؤه.

إلا بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فيكتفى برشه. لحديث أم قيس بنت محصن: "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره فبال على ثوبه فدعى بماء فنضحه ولم يغسله".

وما معنى نضحه؟

رشه بالماء وصبه عليه، ولكنه لم يغسله.

.. أما بول الغلام الذي يأكل الطعام وكذا بول الجارية (حتى لو كانت رضيعة) فإنه يغسل كبول الكبير.

للحديث: "يُغسَل من بول الجارية ويُرَش من بول الغلام".

-لابد أن ننتبه هنا إلى أن: بول الصبي الرضيع الذي لم يأكل الطعام، هو نجس. هو نفسه نجس لكنه يدل على التخفيف في نوع طهارته.

يعني كونة يُطهَّر بالنضح، ليس معناه أنه ليس نجسا. لكن هنا يوجد تخفيف في كيفية التطهير أنها بالنضح أو الرش وليست بالغسل.

كطهارة النعل مثلا إذا أصابته نجاسة بأن يدلك في ماذا؟ بالتراب.

كذلك ذيل المرأة إذا أصابته نجاسة يطهره  ما بعده.

هه؟

فليس التخفيف في الطهارة دليلا على طهارة هذه الأشياء، بل هي نجسة. وإن خفف الشارع في تطهيرها.

فالتخفيف جاء في طريقة التطهير من هذه النجاسة.

-طبعا "يُغسَل من بول الجارية ويُرَش من بول الغلام".

أكيد هناك عِلَّة..

الغالب -والله أعلم- إذا حاولنا استنباط هذه العلة، كما فعل بعض العلماء: إن المسألة بها مشقة، باعتبار أن طريقة إخراج البول بالنسبة للذكر يحصل أنه يخرج بقوة وينتشر فيشق غسله. أما الجارية فيكون مجتمعا فيسهل غسله.

والأحكام دائما تربط بالمشقة.

كذلك النفوس تميل إلى الغلمان وتدليلها فربما يحملونه أكثر مما يحملون البنت. فيشق الغسل باستمرار.

والله تعالى أعلم.

فلعل يكون ذلك هو سبب المشقة.

بالنسبة للقيء:

هو هنا يقول: بول الآدمي وعذرته وقيؤه.

بالنسبة لقيء الحيوان: ليس تبعا لبوله، وإنما القيء تبع لذاته.

فإن كان القيء من حيوان طاهر: إنسان، حمار، بغل، قطة.

فالقيء هنا يكون طاهرا.

فالقيء تابع لذاته وليس لبوله.

هم؟

فإن كان القيء من حيوان طاهر كإنسان أو حمار أو بغل أو هرة..إلى آخره.

فهو طاهر.

والقول بنجاسة القيء مطلقا: ضعيف.

لعدم الدليل المعتمد على نجاسته، فيبقى طاهرا على الأصل.

-خاصة: أن موضوع القيء هذا تُبتَلى به الأمهات. في حالات الحمل وفي حالات كثيرة.

كذلك الأم المرضعة والتي تحمل أطفالها وكذا، ممكن يحصل قيء بصورة كبيرة. فلو كان نجسا لمست الحاجة إلى بيانه بدليل صحيح صريح لعموم البلوى ومشقة الاحتراز.

فما دام من حيوان طاهر في ذاته، فهو أيضا طاهر.

أما إذا كان القيء من حيوان نجس كالكلب أو الخنزير فهو نجس لاختلاطه بالنجاسة.

لأن ريق الكلب نجس، فما بالك بسائل معدته؟

النوع الثاني: من النجاسات:

الدم المسفوح من الحيوان المأكول.

أما الدم الذي يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر.

لقوله تعالى: ".. أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ..(145)"الأنعام

يعني لما توضع اللحوم وتسلق في الآنية يتكون ما يسمى (الريم) فهذا دم، وهذا يعفى عنه.

هذا مما يعفى عنه، ليس نجسا.

لأنه ليس مسفوحا، ليس سائلا.

والله تعالى قال: ".. أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا .. (145)".الأنعام

هو الذي يهراق وينصب.

ثالثا: بول وروث كل حيوان غير مأكول اللحم كالهر والفأر.

-طبعا كل حيوان ماذا؟

حي.

فبوله وروثه مادام غير مأكول اللحم أيضا فهو نجس، كالهر أو الفأر.

طبعا يفهم من هذا ومعروف أن بول ما يؤكل لحمه طاهر.

أي شيء يؤكل لحمه فبوله طاهر لأنه لا يمكن أن يباح لحمه ثم يكون بوله نجسا.

رابعا: الميتة:

وهي ما مات حتف أنفه من غير ذكاة شرعية.

لقوله تعالى: "..إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ..(145)" الأنعام

ويستنثى من ذلك ميتة السمك والجراد.

وما لا نفس له سائلة فإنها طاهرة.

ما لا نفس له سائلة: هي الحشرات التي ليس لها دم أحمر يعني باختصار.

المذي: وهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع لا بشهوة ولا دفق ولا يعقبه فتور، ولا يُحَس وربما لا يُحس بخروجه وهو نجس. لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "توضأ واغسل ذكرك" يعني من المذي.

يعني من المذي.

ولم يؤمر فيه بالغُسل أو تخفيفا بالغَسل تخفيفا ورفعا للحرج.

لأنه مما يشق الاحتراز منه.

-المذي هذا:

هل يوجد أحد هنا في كلية الطب يعرف اسمه ما هو في الطب؟

المذي؟

تقريبا: بروستاتوريا.

يعني هو يُفرز من البروستيت، لأنه قلوي.

فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه إذا حصل تذكر للجماع أو تهيؤ له فيفرز هذا، لأن مجرى البول هو نفسه مجرى المني، فالبول حمضي، فربما قتل الحيوانات المنوية.

فلذلك هذا المذي قلوي حتى يعمل تعادل في المجرى الذي يمر منه المني حتى لا يقتله.

أي نعم. والله تعالى أعلم.

على أي الأحوال المذي يُغسَل الموضع ويغسل أيضا ما أصابه من الثوب. ولابد لأنه نجس.

أما الودي: فهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول ومن أصابه فإنه يغسل ذكره ويتوضأ ولا يغتسل.

سابعا: دم الحيض..

كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض. كيف تصنع؟ فقال: تَحُتُّه ثم تقرصُه بالماء".

تحته: يعني تحكه بطرف عود أو حجر.

وتقرصه: تدلكه بأطراف الأصابع والأظفار دلكا شديدا وتصب عليه الماء حتى يزول عينه وأثره.

فهذا يدل على نجاسة دم الحيض.

لكن هو عموما يعني مسألة دم الآدمي فيها خلاف.

هل دم الآدمي، الدم المسفوح نفسه هل نجس أم غير نجس؟

فمسألة لن نفصل فيها الآن..

كيفية تطهير النجاسة:

كيف تُطهَّر النجاسة؟

..يقول: إذا كانت النجاسة في الأرض، والمكان. فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة.

..العبرة بزوال عينها، فإذا ذهبت زال حكمها. إلا في طهارة الكلب.

-العبرة بزوال عينها حتى لو زالت من مرة واحدة فقد انتهت.

لكن في الكلب لابد من ماذا؟ التسبيع والتتريب.

كذلك أيضا في الاستجمار بالأحجار لابد أن يكون الحد الأدنى كم؟ ثلاث مرات، ثلاثة أحجار على الأقل مع الإنقاء.

واضح؟

ولا يصلح أقل من ثلاثة أحجار.

واضح؟

..يقول: إذا كانت النجاسة في الأرض والمكان فهذه يكفي في تطهيرها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، فيصب عليها الماء مرة واحدة لأمره صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد.

..إذا كانت النجاسة على غير الأرض:

-يعني هنا التطهير كان قد تم بماذا؟ بالمكاثرة.

ثانيا: إذا كانت النجاسة على غير الأرض. كأن تكون في الثوب أو في الإناء.

فإن كانت من كلب ولغ في الإناء: فلابد من غسله سبع غسلات إحداهن بالتراب.

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب".

وهذا الحكم عام في الإناء وغيره كالثياب والفرش

أما نجاسة الخنزير: فالصحيح أنها كسائر النجاسات يكفي غسلها مرة واحدة تذهب بعين النجاسة. ولا يشترط غسلها سبع مرات.

-لأن لا يوجد دليل يوجب التسبيع والتتريب. والأصل عدم الوجوب.

..وإن كانت النجاسة من البول والغائط والدم ونحوها: فإنها تغسل بالماء مع الفرك والعصر حتى تذهب وتزول ولا يبقى لها أثر ويكفي في غسلها مرة واحدة.

..ويكفي في تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح: وهو رشه بالماء. لقوله صلى الله عليه وسلم: "يُغسَل من بول الجارية ويُنضَح من بول الغلام" ولحديث أم قيس بنت محصن المتقدم.

..أما جلد الميتة مأكولة اللحم: فإنه يطهر بالدباغ.

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دُبِغ فقد طَهُر".

..ودم الحيض: تغسله المرأة من ثوبها بالماء ثم تَنضَحَه ثم تصلي فيه.

..فعلى المسلم أن يهتم بالطهارة من النجاسات في بدنه ومكانه وثوبه الذي يصلي فيه. لأنها شرط لصحة الصلاة.

الباب العاشر في الحيض والنفاس وفيه مسائل:

الحيض لغة: السيلان

وشرعا: دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة حال صحة المرأة من غير سبب ولادة.

والنفاس: دم يخرج من المرأة عند الولادة..

نكتفي بهذا القدر..

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم..

سبحانك اللهم ربنا وبحمدك..

أشهد أن لا إله إلا أنت..

أستغفرك وأتوب إليك..