١٠ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨
١ ربيع أول ١٤٣٨ هـ 845

02- المنتحر عدو نفسه




إن أول وأهم تنبيه ننبه إليه حين نتناول قضية الانتحار هو أن من يُقَرِّر الانتحار يكون في حالة تشوه معرفي، واضطراب وجداني، وأكثر من 90% من حالات الانتحار كانت تعاني من أمراض نفسية كالاكتئاب أو إدمان الكحول والمخدرات.
فمن أشهر أسباب الانتحار الاكتئاب
ومن خصائص الاكتئاب الحزن العميق، والبؤس، والاضطراب المعرفي Cognitive distortions" " حتى يحسب أنه مكروه ولا قيمة له في الحياة وأنه عاجز وقليل الحيلة ويجلد ذاته، ويشتد في توبيخها، وربما إلى حد أن يعتقد أنه سبب الشرور في العالم، وأيضا الظروف من حوله والشدائد والمعاناة قد تؤدي به إلى الانتحار فيحس بالانفصال عن الآخرين والعزلة وبأن حالته ميؤوس منها لن يُصْلِحها هو ولا غيره.
إذن لا بد أن ننتبه إلى أن المنتحر أو بتعبير إسلامي أدق "قاتل نفسه" يعاني من خلل نفسي خطير ينعكس في غياب العقل وتشوه المعرفة والعجز التام عن التفكير المنطقي.
ومعلوم أن الشخص أثناء نوبة الاكتئاب ينصحه طبيبه النفسي بئلا يتخذ قرارات مصيرية خلال اكتئابه؛ لأن قراره وهو تحت وطأة الاكتئاب لن يكون موضوعيًا عقلانيًا؛ لأن الاكتئاب يَصْبِغ بالسواد نفسه والحياة من حوله والمستقبل.


إذن أهم تنبيه حينما نتكلم عن قضية الانتحار أن من يقرر الانتحار يكون في حالة تشوه معرفي واضطراب وجداني.
فنقف هنا عند كلمة يقرر؛ فهو يقرر وينفذ في حين أنه غير مؤهل لاتخاذ أي قرار، حالته لا تسمح له ولا تؤهله لاتخاذ قرار صائب.
فإن قراره كما ذكرنا يتأثر بالتشوه المعرفي الذي يحدثه الاكتئاب فقراره مصادم للعقل، والتفكير المنطقي غائب وحكمه على الأمور غير صائب، ولذلك تجد أنه لا ينتبه إلى أنه في الحقيقة لا يكيد إلا نفسه ... لا يكيد إلا نفسه.
وهو الوحيد الذي سيتكلف ثمنًا باهظًا، ويذهب إلى عذاب أشد من العذاب الذي فَرَّ منه وأبقى، وأنه يُفَوِّت على نفسه فرصة الحياة الثمينة ويصير إلى مصير لا عودة منه ولا رجوع، يقول الله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:99-100]
ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ومَن يعصِ اللَّهَ ورسولَهُ فإنَّهُ لا يضرُّ إلَّا نفسَهُ ولن يضرّ اللَّهَ شيئًا"
الراوي : عبدالله بن مسعود | المحدث : أحمد شاكر | خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح
وقال عز وجل في الحديث القدسي: "يا عبادي ! إنَّكُم لن تبلغوا نَفعي فتنفَعوني ولن تبلُغوا ضُرِّي فتضروني"
المحدث : ابن تيمية |خلاصة حكم المحدث : صحيح.

ولو تأملنا قول الله تبارك وتعالى للكافرين {مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران:119 ].
وقوله عز وجل: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15].
وقول الله تبارك وتعالى: {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "من كان يظن أن الله لن ينصُر محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى سقف بيته ثم ليقطع ليختنق به"
يعني أن المقصود التهكم من هذا الذي يظن بالله عز وجل هذا الظن.
فمعنى الآية أن من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدًا صلى الله عليه وسلم وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك مُذْهِبًا لغيظه فإن الله ناصره لا محاله، وهذا كقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]
وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}
قال عطاء الخرساني: "فلينظر هل يشفي ذلك ما يجيش في صدره من الغيظ".

فإذن المنتحر ما يغيظ إلا نفسه ولا يضر إلا نفسه
وقد أخبر الله تبارك وتعالى أيضا أن الإنسان إذا حضره الموت يقول: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:24].
والمقصود بالحياة هنا الحياة المستقبلية في الدار الآخرة، كما قال عز وجل: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64].
هو يندم ويتحسر لأنه لم يُقَدِّم لحياته المقبلة؛ فالمنتحر ماذا يُعِدّ لحياته المقبلة؟
أليس الذي يُقْدِم عليه بمحض إرادته هو سوء الخاتمة؟! والعياذ بالله تعالى من ذلك.

والكفار يتمنون أن يخرجوا من النار { رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107]
إن المكتئب يريد أن يضع حَدًّا لآلامه فيَسْلُك سبيلًا يُسْبب له الألم المضاعف المتجدد حيث لا رجوع فهو قد أنهى فرصته بنفسه.
ولأن المكتئب يُحْجَر عليه في قرار الانتحار لأنه غير مؤهل لاتخاذ قرار، فإنه يُستثنى من مبدأ حفظ أسرار المريض الذي يُقدِّسه الأطباء النفسانيون، ويجب على الطبيب النفسي أن يتخذ إجراءات صارمة لحمايته من نفسه إذا أخبره أنه سينتحر، أو أنه سيوقِع الأذى البليغ بجسد شخص آخر.
فالمعالج في هذه الحالة ينبغي أن يتجاوب فورا بالطريقة الملائِمة مع استمراره في العملية العلاجية.

في أحيان أخرى قد يكون من الضروري إيداع المريض في المستشفى أو يُجَنِّد الأخصائي أسرته من أجل المساعدة في احتواء النزعات التدميرية
وليس للمريض هنا أن يحتج بعبارة "هذه حريتي الشخصية" و"أنا أملك إدارة ذاتية وسلطة ذاتية على نفسي" و"لا أقبل أن يتدخل أحد في خياراتي"
لا تعارض على الإطلاق بين أن ينمي الطبيب الاستقلالية الذاتية للمريض وبين أن يتدخل لحمايته من نفسه أو حماية الآخرين من أن يؤذيهم في أبدانهم؛ فإن المريض الذي يَفْقِد مؤقتا قدرته على هذين النوعين من الحماية يكون مُعَرَّضًا لخطر إيداعه المستشفى أو الحبس والسجن أو الموت.
وحال المعالِج هنا يشبه حال الأم التي يتعين عليها التدخل لإيقاف طفلها الذي جرى فجأة وأفلت من يدها وجرى في بحر الطريق المليء بالسيارات.
فهذه هنا حماية حقيقية واجبة وليست حماية زائدة.
أو حال المعالِج الذي يفعل ذلك مع من يريد الانتحار كحال طبيب التخدير -الذي نتجاوز فنقول يتنفس بالنيابة عن المريض أثناء إجراء الجراحة- فالمعالِج هنا ينبغي أن يتدخل بتعاطف لكن لا يتكلم بطابع اعتذاري للمريض وكأنه تجاوز حدوده بل هو يؤدي واجبه.
صحيح أن أسرار المريض مِلْك له حتى لو كشفها للمعالِج فهي مِلْك له وليست مِلْكًا للمعالِج، والمريض هو الوحيد صاحب الحق في كشفها وليس المعالِج إلا بإذن صريح منه
ولكن في حالة الخطر على نفسه أو على الآخرين بأن يقتلهم مثلا فإن المعالِج يتخذ إجراءات من أجل حمايته أو حماية هؤلاء الآخرين ولا يصح أن يتعلَّل المريض بأنه أحق بالحكم الذاتي لنفسه لأن القاعدة أنه "لا إدارة ذاتية بدون تحكم في الذات"
no autonomy without self-government)).
حتى الدول التي تعطي حُكْمًا ذاتيًا لفئة معينة فهي تعطيها الحكم الذاتي لكن ليس هذا كل شيء لا بد أن تبدأ هذه السلطة بممارسة الحكم على سُلْطَتِها.
فإذا قال المريض للطبيب: "أنت لا تملك الحق في أن تُشْرِف على حياتي كأمي صاحبة الحماية الزائدة"
يجيبه المعالج: "سلوكك الانتحاري علامة واضحة بالنسبة لي على أنك لا تتحكم في حياتك، وأنا أساعدك على أن تسترد وتستعيد التحكم في حياتك، حينما أتكلم معك حول المشاعر والأفكار المرتبطة برغباتك في تدمير نفسك فإن هذا لا يمتد إلا منطقة السلوك"
-لأن العقل في علوم النفس ينقسم إلى ثلاث دوائر متداخلة مثل علامة بنزين التعاون؛ دائرة المشاعر والأفكار والسلوك-
فيقول له: "نحن نتكلم معًا حول المشاعر والأفكار المرتبطة بهذه الرغبات التدميرية لنفسك، أما منطقة السلوك فهي منطقة غير محظورة بالنسبة إليَّ ولا أتعامل معها كحَرَم مقدس يحُظْر علي دخوله؛ لأن واجبي أن أساعدك على الترقي الصحي والأمني، وليس أن أجلس أراقبك وأتفرج عليك وأنت تدمر نفسك، لأنني إن تفاعلت بهذه الطريقة وكان رد فعلي هو هذه الفُرْجة فإني في هذه الحالة لا أساعدك لتكون شخصًا مستقلًا".

من تراوده أفكار انتحارية فليذهب إلى الطبيب النفسي المسلم ليساعده على التفكير العقلي السليم ... لماذا؟
لأن القضية باختصار بما أنه يحاول الانتحار، إذن هذا إعلان بأنه عاجز عن حماية نفسه من نفسه فعليه أن يستعين بمن يُرْشِده إلى أن يسترجع القدرة على ذلك بالعلاج النفسي أو بالأدوية أو غير ذلك من الإجراءات.

وعلى هذا الأساس نقول إن المنتحر يستحق بامتياز وبكل جدارة وصف:
"عدو نفسه"
لأنه يؤذي نفسه أذية لا يستطيعُها أحد سواه من البشر
لا يبلغ الأعداء من جاهل *** ما يبلغ الجاهل من نفسه

إنه لا يصبر على ابتلاء الدنيا، ويحاول أن يضع لهذا الابتلاء ولهذه الآلام نهاية من أجل أن يستريح وأن يتخلص من آلامها وتنغيصها
وهذه الراحة وهم لا وجود له إلا في خياله.

إن الوحي الإلهي جعل مصير المنتحر مخيفا ورهيبا ومرعبا، وأخطر ما فيه أنه ليس فيه خط رجعة، ولا يستطيع العودة إلى الحياة؛ لقد كانت له فرصة لكنه ضيَّعها وأخطر ما فيه أنه لا يكون نهاية إلا في زعم الكافر الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، بل يكون بداية لعذاب أشد وأنكى من العذاب والألم الذي فَرَّ منه بالانتحار.

إن الذي يَقْتل غيره وُعِدَ بعذاب أليم في الدنيا ثم في الآخرة،
أما الذي يَقْتُل نفسه فلأنه يُعْدِمها ويُعْدِم وجودها فإن عذابه في الآخرة بمجرد انتقاله إلى مقدماتها من عذاب القبر.

والسؤال الآن هل يُقْدِم المسلم على الانتحار؟
أو بصورة أخرى .. لماذا تؤكد جميع الدراسات أن الانتحار أقل ما يكون نسبته في العالم الإسلامي؟
المسلم قد يكتئب لكنه لا ينتحر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يُصيبُ المُسلِمَ، مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حَزْنٍ ولا أذًى، حتى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إلا كَفَّرَ اللهُ بِها مِن خَطاياهُ"
فقوله "ما يُصيبُ المُؤمن، مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ"
هذا يدل على أن الإنسان يمكن أن يُبْتلى بهذا الحزن، والمكتئب لا يستجلب الاكتئاب لنفسه، لكن هناك عوامل متعددة في حدوث هذا المرض فهو مرض كغيره من الأمراض لا يستجلبه الإنسان لنفسه، فمن الخطأ الجسيم أن تقول للمكتئب: "عيب أن تكتئب فإن المؤمن لا يكتئب"
أنت بهذا تزيد اكتئابه؛ لأنك تزيد حسرته حتى على إيمانه الذي هو أقوى ما يتشبث به.
المؤمن يمكن أن يصاب بالاكتئاب، كما كان أحد أساتذتي يسخر ممن يقول مثل هذا الكلام ويقول له: "أن الدستور يكفل لكل مواطن الحق في أن يصيبه أي مرض نفسي وفي أي سن".
إذا لماذا يربط الناس الانتحار بالكفر؟
الجواب: لأنه سلوك من يظن أن الراحة في قتل نفسه، وهو الملحد الذي لا يعتقد في وجود حياة بعد هذه الحياة الدنيا
أما المؤمن فإنه يختار أخفف الضررين وأقصرهما؛ لأن الانتحار عذاب دائم لا يوجد فيه خط رجعة يحسم مباراتك في الحياة بهزيمتك الساحقة ولا يعطي نفسك أي فرصة للإصلاح.
يقول الباحث "أحمد محمود عباس": "إن مهمتنا أسهل مع المؤمنين بالله ولديهم الدين عند محاولتنا تثنيتهم عن محاولاتهم الانتحارية وعند إقناعهم بضرورة الحياة وحلاوتها" ا.هـ.

إن التدين الصحيح يحمي المؤمن من السقوط فريسة لمشاعر اليأس والقنوط، ويمنحه حالة من الرضا بقضاء الله وقدره تجعله يتقبل إحباطاته ومعاناته أفضل من غير المتدين، وتعطيه أملا في انفراج الأزمة مهما اشتد حصارها {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:4-5]




موقع الشيخ محمد إسماعيل المقدم

تحميل 0.07 MB