١٧ ذو الحجة ١٤٤٠ هـ | الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩

01- الانتحار ليس وسيلة للاحتجاج

الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة
من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.

يقول الله تبارك وتعالى ممتنًا على عباده بنعمة الحياة: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1].
وهل هنا بمعنى "قد"، أي قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا
إن الحياة هبة إلهية ومنحة ربانية لا يملك التصرف فيها إلا واهبها سبحانه
يقول تعالى: {وإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجر:23].
وقال: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [غافر:68].
وقال عز وجل: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة:9].
فكما أن نفخ هذه الروح وإيداعها في الجسد من أفعال الربوبية المحضة لا ينبغي أن ينازعه فيها أحد كذلك استرداد هذه الروح من شأن الله وحده سواء تم ذلك بالموت الطبيعي أو بواسطة البشر بإذن من الله، يقول عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178].
وسياق القرآن الكريم يدل على أن الحياة نعمة وهبة جسيمة ينفرد الله عز وجل بإعطائها وينفرد بأخذها يقول تبارك وتعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:29].

إن حياتنا ليست ملكيةً خاصة لنا بل هي وديعة الله عندنا ونحن مجرد أمناء عليها يوضح هذا المعنى
قصة زواج أبي طلحة الأنصاري -رضي الله عنه- من أم سليم -رضي الله تعالى عنها-
" أنها كانت معه حتى وُلِدَ له بُنَيٌّ ، وكان يُحِبُّه أبو طلحةَ حُبًّا شديدًا . ومَرِضَ الصبيُّ مَرَضًا شديدًا ، وتواضع أبو طلحةَ لِمَرَضِه أو تَضَعْضَعَ له ، فكان أبو طلحةَ يقومُ صلاةَ الغداةِ يتوضأُ ، ويأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُصَلِّي معه ، ويكونُ معه إلى قريبٍ من نِصْفِ النهارِ ، ويَجِيءُ يَقِيلُ ويأكلُ ، فإذا صلى الظهرَ تَهَيَّأَ وذهب ، فلم يَجِئْ إلى صلاةِ الْعَتَمَةِ فانطلق أبو طلحةَ عَشِيَّةً إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفي روايةٍ : إلى المسجدِ ومات الصبيُّ فقالت أُمُّ سُلَيْمٍ : لا يَنْعَيَنَّ إلى أبي طلحةَ أَحَدٌ ابنَه حتى أكونَ أنا الذي أنعاه له ، فهيأت الصبيَّ فسَجَّتْ عليه ، ووَضَعَتْهُ في جانبِ البيتِ ، وجاء أبو طلحةَ من عندِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى دخل عليها ومعه ناسٌ من أهلِ المسجدِ من أصحابِه فقال : كيف ابْنِي ؟ فقالت : يا أبا طلحةَ ما كان منذ اشْتَكَى أَسْكَنَ منه الساعةَ وأَرْجُو أن يكونَ قد استراح ! فأَتَتْه بعَشائِهِ فقَرَّبَتْهُ إليهم فتَعَشَّوْا ، وخرج القومُ ، قال : فقام إلى فراشِه فوضع رأسَه ، ثم قامت فتَطَيَّبَتْ ، وتَصَنَّعَتْ له أَحْسَنَ ما كانت تَصَنَّعُ قبلَ ذلك ، ثم جاءت حتى دَخَلَتْ معه الفراشَ ، فما هو إلا أن وجد رِيحَ الطِّيبِ كان منه ما يكونُ من الرجلِ إلى أهلِه ، فلما كان آخِرُ الليلِ قالت : يا أبا طلحةَ أَرَأَيْتَ لو أنَّ قومًا أعارُوا قومًا عاريةً لهم ، فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم ؟ فقال : لا ؛ قالت فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان أعارك ابنَك عاريةً ، ثم قبضه إليه ، فاحْتَسِبْ واصْبِرْ ! فغَضِبَ ثم قال : تَرَكْتِنِي حتى إذا وَقَعْتُ بما وَقَعْتُ به نَعَيْتِ إلَيَّ ابْنِي ! فاسْتَرْجَعَ ، وحَمِدَ اللهَ ، فلما أصبح اغتسل ، ثم غدا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فصَلَّى معه فأخبره ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بارك اللهُ لكما في غابِرِ ليلتِكُما"
الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني |خلاصة حكم المحدث : أخرجه البخاري ومسلم

والشاهد من هذا الحديث قول أم سليم -رضي الله عنها- : "يا أبا طلحةَ أَرَأَيْتَ لو أنَّ قومًا أعارُوا قومًا عاريةً لهم ، فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم ؟ فقال : لا ؛ قالت فإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ كان أعارك ابنَك عاريةً ، ثم قبضه إليه ، فاحْتَسِبْ واصْبِرْ !"

والعارية هي العين المأخوذة للانتفاع كأن يستعير إنسان من آخر سيارته ليسافر بها ثم يعيدها إليه.
وهي أمانة في يد المستعير يحافظ عليها ويردها إلى مالكها متى طلبها أو بانقضاء وقتها، وللمعير الرجوع في عقد العارية متى شاء.
إن تعظيم الله لحرمة الحياة الإنسانية ينعكس في صور كثيرة منها إباحة أكل المحرمات للمضطر؛ خوفًا من الموت ولأجل حفظ نعمة الحياة
يقول الله تعالى: { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
[البقرة:173].
والصائم في رمضان إذا خشي الهلاك جاز له الإفطار ولقد حرم الإسلام قتل النفس وشدد في عقوبته أيما تشديد، وقتل النفس يشمل قتل الإنسان نفسه ويشمل قتل الإنسان لغيره من الناس، كما قال تعالى في النوع الأول: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]
وفي النوع الثاني قال: { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الأنعام:151]
والشريعة الإسلامية تُحَرِّم ما يسمى بـ "الموت الرحيم" وهو قتل المريض الميؤوس من شفائه مهما كانت جسامة مرضه ومهما بلغت درجة إشرافه على الموت المُحَقَّق والهلاك الواضح.
ومن مظاهر ذلك الاتفاق على تحريم الاعتداء على حياة الجنين إذا نُفِخت فيه الروح.
إن الله أعطاك هبة الحياة لتعيش وتبقى إلى أجل {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل:61].
ولكي تشعر بقيمة الحياة بل بقيمة لحظة واحدة من الحياة تخيل لرجلا كافرا عاش مائة سنة وأسلم في لحظاته الأخيرة ثم مات، ما قيمة هذه اللحظات التي أورثته سعادة الأبد والفطرة السوية جُبِلت على حب الحياة وحب الخلود فيها وهو ما يسمى بغريزة حب البقاء
وإبليس لما أراد أن يغوي الأبوين {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [طه:120].

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "وما ترددت في شيءٍ أنا فاعلُه ترددي في قبضِ نفسِ عبدي المؤمنِ يكرهُ الموتَ وأكرهُ مساءتَه"
الراوي : أبو هريرة | المحدث : ابن تيمية |خلاصة حكم المحدث : صحيح.

وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها في حديثها مع النبي صلى الله عليه وسلم: "أينا لا يكره الموت".

إن قتل النفس أو الانتحار كظاهرة شائعة في بعض المجتمعات غير الإسلامية بدأت تتسرب إلى مجتمعنا المسلم
ولم تلق الاهتمام الكافي بالدراسة والتحليل والتفسير ثم التصدي لها.

والمنتحر في جريمة الانتحار يسقط كما تسقط الورقة الذابلة التي كانت تستحق الرعاية من شجرة المجتمع.
إن زحف هذه الظاهرة إلى المجتمعات الإسلامية مؤخرا يعتبره البعض من آثار الثورة الإعلامية والاتصالية على الشعوب، التي خلخلت الروابط الاجتماعية التقليدية وتسببت في تدهور أنساق القيم التي كانت تحكم هذه المجتمعات.

ومن أعجب الظواهر ظاهرة انتحار الشباب عن طريق الإنترنت أو الانتحار الجماعي حيث يعقدون ميثاقا بينهم يتعاهدون فيه على الانتحار ويتبادلون خبرات هذه الجريمة ووسائلها وأجهزتها.

أما مصطلح قتل النفس أو الانتحار يعني قتل الذات بذاتها.
قالوا: "انتحر الشخص" أي قتل نفسه أو نحر بعيره، فيقال: "تناحر القوم" أي تشاجروا لحد الهلاك.

وقال الله تعالى معاتبا نبيه صلى الله عليه وسلم من شدة شفقته على الذين لا يؤمنون حتى كاد يُهْلك نفسه من الغم والحسرة لعدم إيمانهم {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]
أي مُهْلُك نفسك غَمًا.

ولقد شاع في السنوات الأخيرة استعمال الانتحار كسلوك احتجاجي وتم تسييس هذه الجريمة، وهذا التسييس لم يغط الجريمة والعدوان على حدود الله تبارك وتعالى، ولم يجعل عدو نفسه المنتحر بطلًا شهيدًا.

والانتحار ليس حدثا منعزلا ولكنه عملية دينامية معقدة فالسلوك الانتحاري واقع على متصل "Continuum"
لمراحل متعددة تشمل تصور الانتحار وهذا يكون كامنا، ثم التأملات الانتحارية النشطة، ثم تخطيط لهذا التأمل، ثم محاولة الانتحار، وتتراكم محاولات نشطة وربما ينتهي بالانتحار الكامل.

وفي أثناء هذه المراحل قد يتذبذب في هذه العملية الدينامية وفقا لتأثير العمليات البيولوجية والنفسية والاجتماعية.

والسلوك الانتحاري أعم من الانتحار، فإن السلوك الانتحاري عملية مركبة أي أنه سلسلة أفعال متعاقبة، تساوي الفعل ومقدماته ومحاولاته والشروع فيه فسلسلة أفعال السلوك الانتحاري هي:
أولا: التهديد بالانتحار
ثانيا: الشروع فيه
ثالثا: الانتحار الفعلي
إذن كل انتحار هو سلوك انتحاري وليس كل سلوك انتحاري انتحارًا.
ولا بد هنا أن نفرق بين الانتحار الذي هو شر والتضحية والتي هي خير. فالانتحار سلوك مرضي، والتضحية كما يحصل في الجهاد موضع إعجاب اجتماعي يُضحي من أجل أُمَّتِه أو عقيدته.

فالانتحار هو إرادة قتل الذات عن وعي المنتحر وإرادته، فهو فعل الإنسان بذاته.
أما التضحية فهي إرادة بلوغ غاية، ودعم قضية، والذود عن قيمة بالمجازفة بتعريض حياته حتى الموت.
أما الانتحار فهو نتيجة إرادة وتخطيط واع وتصميم يعني هناك قصد إجرامي.

إذن إدانة الانتحار لا تعني إدانة التضحية وامتداح التضحية لا يقود إلى مدح الانتحار.
أما المضحي فإنه لا يطلب الموت للموت ولكنه يتعرض للخطر ويرضى بالخطر دفاعا عن قضيته.
فالانتحار أسبابه لا أخلاقية أما التضحية فسببها أخلاقي.

وفي بعض أشكال الانتحار لا يكون المنتحر واعيا لنتيجة فعله المؤدية إلى الموت؛ ففي بعض الأمراض النفسية أو العقلية مثل بعض المرضى الذُّهانيين الـ psychotic" " يسمع أصواتًا أي هلاوس سمعية تأمره بأن ينتحر ويشعر بأنه مُطارَد ويحاول الهروب بالانتحار، فمثل هذا حسابه على الله ونحن على يقين من عدل الله ورحمته بعباده وأن رحمته تسبق غضبه.

الانتحار يشكل اعتداء على خصيصة من خصائص الربوبية، فالذي وهبك الحياة ونفخ فيك الروح هو فقط الذي من حقه أخذها متى شاء.
فمن تعجل قتل نفسه فقد نازع الله في سلطانه ولهذا قال الله عز وجل في المنتحر "بادَرَني عبدِي بنفْسِهِ، فحرَّمْتُ عليه الجنةَ"
الراوي : جندب بن عبدالله | المحدث : الألباني |خلاصة حكم المحدث : صحيح

موقع الشيخ محمد إسماعيل المقدم 

تحميل 0.07 MB