٥ ربيع أول ١٤٤٠ هـ | الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨

سنواجه الرصاص بصدور عارية

قال الشاعر:
وأعقل الناس من لم يرتكب سببا ***** حتى يفكر ما تجني عواقبه
ما أسهل الاهتداء إلى الحكم الصواب إذا كان أمامك أحد خيارين:
نور محض ، وظلام محض !
لكن ما عسى أن يكون اختيارك إذا انحصر في احتمالين لا ثالث لهما:
ظلام دامس أسود بهيم ، وظلام يخالطه شيئ من نور؟
إن العاقل لا يتردد في الانحياز إلى الخيار الأخير.
والمفترض أن التجارب الحية تصقل العقول ، وتزودها بالبصيرة النافذة التي تسهل عليها تلمح العواقب ،
وتعصمها من أن (تلدغ من نفس الجحر مرتين).
إنه ليقبح بالعاقل أن يرى تجربة حية قائمة بين يديه،ماثلة آثارها ،ملموسة نتائجها ، ثم لا يستفيد منها ، ويصر عمدا على أن يلدغ من نفس الجحر المرة بعد المرة.
لقد رأينا بأم أعيننا كيف تم التلاعب بمعاناتنا ، والاستثمار في آلامنا ، في ما سمي زورا ب"ثورات الربيع العربي "،واحكم على الشيء من ثمرته!
السعيد من وعظ بغيره:
مصر –في المركز الثاني بعد تونس-أقل دول الربيع المزعوم تضررا من آثاره،إذا قارناها بغيرها، وعلى الأخص بسوريا الجريحة التي صارت كلأ مباحا للجميع ، وحمى مستباحا لكل من هب ودب ،من الوحوش الضارية التي تنهش في جسدها ، وترتع في أرضها وبحارها وسمائها دون رادع ، في محنة بدأت بثورة ، ولا يعلم إلا الله متى وكيف وإلى أين تنتهي؟..لكن ما السبب ياترى؟ إنه (انهيار كيان الدولة).
والسؤال الآن :
لو استقبل السوريون من أمرهم ما استدبروا ، هل كانوا – بعد هذه التجربة المريرة –يختارون الصبر على بشار أم الخروج عليه؟
لم يكن علماؤنا بعيدين عن الواقع ، ولم يكن فقهاؤنا يفتقرون إلى فقه الواقع ، حينما حذروا من الخروج على الحكام في عصرنا إذ غلب على الظن أنه ينتهي إلى منكرات ومظالم هي أضعاف أضعاف ما ثاروا من أجله.. فما بالك باليقين
المعاين وليس مجرد غلبة الظن؟
فيا أيها الدعاة إلى (ثورة ثانية)!
باستطاعتكم أن تشعلوا عود الثقاب ، وتلقوه في بحيرة البنزين ،لكن ليس في استطاعتكم إطلاقا أن تتحكموا في عواقب الحريق إذا تمدد حتى لو اقتحم عليكم عقر داركم .
وكل ما أنا معني به في هذا المقال شيء واحد :هو وجوب الصبر من أجل المحافظة على (كيان الدولة).قال صلى الله عليه وسلم : " فأدوا ما عليكم ،واسألوا الله الذي لكم ".
ثم محاولة الإصلاح بالحسنى ما استطعنا.
وحذار أن ننساق وراء الغوغائية الفارغة التي ما زالت ترفع عقيرتها بهذا الشعار الأحمق المشؤوم الصادر عمن لم يشموا رائحة الفقه : ( سنواجه الرصاص بصدور عارية)،
والله من وراء القصد.
محمد النجار – باحث أزهري